تدخل إلى المكان وتتجول في قاعاته لترى كل ما حولك يروي قصة الماضي.. قطع أثرية تحكي حكايات الإنسانية التي عاشت على هذه الأرض قبلنا.. تصمت من هيبة الحضارات المتتالية التي جُمعت كلها في متحف الشارقة للآثار ليكون حارساً على مشغولات وقطع أثرية فريدة تعود الى 7 آلاف سنة من بداية العصر الحجري حتى عهد ما قبل الإسلام.

كنز لايقدر بثمن

لأن كل المكتشفات الأثرية بمثابة الكنز الذي لا يقدر بثمن وقد جاد به ثرى الشارقة، ليحكي طرفاً من قصة إنسانها وكفاحه للتأقلم مع ظروفها منذ عصر الحجر، أصدر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، حاكم الشارقة أوامره ببناء متحف حديث يراعي أحدث أساليب العرض المتحفي في العام 1997 بعد أن ضاقت ردهات المبنى القديم وقاعاته عن استيعاب المكتشفات المتوالية من القطع الأثرية، ليحتضن في قاعاته ما يزيد عن 1000 قطعة أثرية تعود للعصور التاريخية التي سبقت انبلاج فجر الإسلام، وتحديداً منذ العصر الحجري القديم قبل 125 ألف عام وحتى القرن الميلادي السابع، منها الأواني والقطع الفخارية والأدوات والمصنوعات الحجرية والمعدنية، وكذلك الحلي والمجوهرات والقطع النقدية وتماثيل الحيوانات والبشر الصغيرة إضافة إلى نماذج لهيكل عظمية ومدافن ومنازل اكتشفت في مواقع عدة تتناثر في أراضي الإمارة وتعود للفترة الزمنية المذكورة.

علم الآثار

يحتوي المتحف على ست قاعات، أربع منها قاعات زمنية رئيسية واثنتان فرعيتان، تحتضن جميعها قطعاً أثرية ونماذج تبين للزائر كيف تطورت الحياة في إمارة الشارقة على مر تلك العصور وكيف وأين عاش الإنسان فيها، وكيف تأقلم مع ظروف الحياة فيها، وتقدمها، وماذا استخدم من أدوات في حياته.

ويبدأ الزائر جولته في المتحف بقاعة فرعية هي قاعة علم الآثار حيث تقابلك صورة جوية مكبرة لشمال دولة الإمارات على شكل خريطة، تبين موقع الشارقة الفريد المطل على الخليج العربي من الغرب وعلى بحر العرب من الشرق، ما جعلها واسطة العقد بين أخواتها أبوظبي ودبي وعجمان ورأس الخيمة والفجيرة وأم القيوين، وتبين الخريطة أهم المواقع الأثرية في الشارقة، والتي تعود لفترات زمنية مختلفة أقدمها يزيد عمره عن 85000 عام.

 

العلماء الصغار

وفي الجهة المقابلة من القاعة نموذج لموقع أثري، يتقمص فيه الأطفال بين السابعة والرابعة عشرة دور علماء الآثار، وينقبون في تربته مستخدمين أدوات التنقيب، عن قطع أثرية مفترضة مدفونة، تحت إشراف مرشدين تعليميين مختصين، يساعدونهم في رفع ما اكتشفوه بطريقة علمية وتصويره وترقيمه، ثم وضع بطاقة تعريفية له ورسم أبعاده ووصفه بدقة عليها، فتنكسر في أذهانهم الصورة الجامدة عن علم الآثار ومن يعملون فيه، وتقدر عقولهم الجهد الكبير الذي بذله هؤلاء حتى وصلت هذه القطع إلى المتحف.

استعادة التاريخ

والى جانب تلك القاعات وما تعرضه من آثار معجونة بتفاصيل التاريخ والعراقة والتطور، ثمة قاعة فرعية أخرى تحوي مجموعة من القطع الفنية والحلي التي عثر عليها في الإمارة وتم تهريبها للخارج، وتعود لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي كان سموه قد اشتراها بعدما علم أنها معروضة للبيع في أحد المزادات في أوروبا.

العصر الحجري

في الداخل يأخذك المكان برحلة افتراضية لتعيشها وكأنك كنت في ذلك الزمان، وتبدأ من العصر الحجري ليتعرف الزائر في هذه القاعة على حياة سكان الشارقة في ذلك العصر كيف تراوحت معيشتهم القائمة على التنقل مابين صيد الحيوانات البرية والأسماك والأحياء البحرية، ومابين رعي الأغنام والماعز والتقاط الثمار، وتعرض خزائن العرض في القاعة مجموعةً نادرة من اللقى الأثرية المهمة المكتشفة في عدد من المواقع في الإمارة (جبل البحيص، مليحة، الحمرية، جبل الفاية، الذيد وغيرها) ومنها أقدم عقد من اللؤلؤ يكتشف في دولة الإمارات الذي وجد في جبل البحيص ويزيد عمره عن سبعة آلاف عام.

 

العصر البرونزي

تتجول في قاعة هذا العصر ليتبين لك أن تطوراً جديداً ظهر على الساحة فيه تمثل في استخدام المعدن عوضاً عن الحجر في صنع أدوات الحياة اليومية، وهو النحاس الذي توفر في جبال المنطقة وسهل على إنسانها تعدينه وتصنيعه، والذي سيضاف إليه القصدير لينتج عن ذلك خليط جديد سمي البرونز، وفي هذا العصر أيضاً انتشرت صناعة الفخار المحلي وتوطدت صلات بعض المواقع في الشارقة مع الخارج، ومنها مستوطن تل الأبرق على ساحل الخليج العربي، الذي أثبتت المكتشفات أن أهله ربما اتصلوا مع حضارات السند وبلاد الرافدين ودلمون، حيث وجدت كثير من الأوعية الفخارية والأختام والأمشاط العاجية المميزة في قبور هذا الموقع والمستوردة من هذه الأصقاع .

العصر الحديدي

وهنا يعرض لك المتحف أهم متغيرين في هذا العصر غيرا كثيراً نمط الحياة في المنطقة، أولهما إنشاء قنوات للري تمتد تحت الأرض حتى تصل إلى المزارع والتجمعات السكانية، وهو ما سمي محلياً بالفلج، وثانيهما استئناس الجمل حيث بدأت صداقة العربي والجمل من هذه الفترة. وكانت مويلح نجمة الشارقة في هذا العصر، فهذه القرية ذات البيوت المتلاصقة المبنية من اللبن والواقعة على بعد 15 كم من ساحل الشارقة على الخليج العربي نسجت شبكة من الصلات مع اليمن وإيران وبلاد الرافدين لم يعرف كنهها حتى الآن، وإن كانت إشاراتها وجدت مدفونةً في ثراها، ومنها أول أثر للكتابة وجد في الإمارات العربية حتى الآن وقد كتب بخط المسند السبئي الذي نشأ في اليمن.

الجزيرة العربية الكبرى

في هذه القاعة تشاهد الآثار التي تدل على الدور الكبير الذي لعبته شبه الجزيرة العربية في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد كوسيط في الشبكة التجارية التي كانت تربط بلاد المحيط الهندي وبلاد حوض البحر الأبيض المتوسط، وصار العرب يتحكمون في عصب التجارة بين هذه البلدان، وربما كانت مليحة أهم مركز تجاري في جنوب شرق الجزيرة العربية ارتبط بهذه التجارة المزدهرة، فقد وجدت في هذا الموقع المهم الواقع على بعد 60كم إلى الشرق من مدينة الشارقة علائم على صلات واسعة أقامها هذه المركز مع ممالك اليمن وعدد من مراكز التجارة الأخرى في الجزيرة العربية وخارجها حيث وجدت آثار تدل على اتصال سكان الموقع باليونان ومصر، وأظهرت المكتشفات أن مليحة بلغت من الرقي في هذه الفترة ما جعلها تتحول إلى سوق للمناطق المجاورة ، بل وربما ملكت قدراً من السلطة في محيطها مكنها من ضرب عملتها الخاصة التي استنسختها عن دراخما الإسكندر المقدوني، كما دفن أهلها أشرافهم في قبور خاصة بنوا عليها أبراجاً جنائزية دفنت فيها معهم أهم مقتنياتهم من الفخار والأواني الزجاجية والفخارية المستوردة والحلي، بل إن بعضهم دفنت بجواره بعض أنعامه كالخيول والجمال، كدليل على إيمانهم بالحياة بعد الموت التي كانوا يظنون أنها استمرار لحياتهم الأولى.

 

منارة ثقافية

لا يقتصر دور متحف الشارقة للآثار على استقبال الزوار فقط، بل يمتد إلى نشر المعرفة حول آثار الشارقة وتاريخها عموماً، ومن أجل ذلك يحفل برنامج عمل المتحف السنوي بكثير من الأحداث والأنشطة العلمية والثقافية ومنها الورش التعليمية والمحاضرات العلمية والإصدارات العلمية إضافة للندوات والمؤتمرات التي تعنى بشؤون العمل المتحفي العربي وتعزيز مسيرته وتطويرها.

 

تذكار

وبعد هذه الجولة عبر الزمن تستطيع الذهاب إلى محل للهدايا يبيع إصدارات المتحف والكتب المتخصصة في الآثار والتاريخ، بالإضافة إلى التحف والصور وبطاقات الإهداء وألعاب الأطفال التعليمية وغيرها من الهدايا التذكارية.

ولم ينس القائمون على المتحف توفير كل الخدمات التيسيرية لزواره بكل الفئات فهو مزود بجهاز لتقوية السمع ويوفر الكراسي المتحركة عند الطلب، كما توجد مساحة كافية لوقوف السيارات، إضافة لتوفيره جولات تعريفية للزوار يقدمها مرشدون متمرسون.

 

وفي نهاية الجولة وعند خروجك من المتحف تنظر إلى كل التقدم والحضارة التي تعيشها لتوقن أنه لولا عظمة أجدادنا والجذور المتينة التي أرسوها لما استطعنا الوصول إلى ما نحن عليه الآن.

رحاب عمورة

نشر سابقا في مجلة المضمار عام 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *