
شخصية غنية على المستويين الفكري والعملي.. يحدثك بثقة العارف في شتى المجالات لتعلم أن قراءته واطلاعه الممتد منذ الصغر وحتى الآن زودته بمخزون لا ينضب من المعلومات.. عاصر تطور المجتمع بكل مراحله.. من البساطة الجميلة إلى #الحداثة المعقدة فكوّن منها وجهة نظر خاصة يطرحها بجرأة.. إنه عضو #المجلس_الوطني_الاتحادي السابق عبد الرحمن حسن الشامسي..
وعي مختلف
بدأ الشامسي حديثه عن مرحلة الطفولة التي وصفها بأنها كانت جميلة ومتنوعة حيث تنقل خلالها في أربعة أماكن، فقد وُلد في قرية #الحيرة التابعة لإمارة الشارقة وعاش فيها حتى سن الرابعة لينتقل بعدها إلى دولة قطر لظروف مرض أمه من أجل علاجها هناك، ليعود بعد 3 سنوات إلى مدينة الشارقة ليكمل سنوات طفولته مع زياراته الصيفية لواحة البريمي.
أكد #الشامسي أن تتعدد الأماكن التي يعيش فيها الطفل يكسبه وعياً مختلفاً إضافة لمعاصرة نمو المجتمع من الناحية المادية والتعليمية، مشيراً إلى أن الحياة الحديثة بدأت بالدخول إلى البلد بالتدريج فكانت فرصة لجيلنا للتعرف على هذه الحياة الجديدة وهذا التبدل، كما أن قضاء جزء من السنة في البريمي حيث #الواحة والنخيل يعطي الطفل بهجة وتعرفه على مفردات جديدة في الحياة.
أجمل الفترات
وصف الشامسي فترة المدرسة أنها من أجمل فترات حياته، فالمدارس وقتها لم تكن مكتظة وكانت تنمو معنا عاماً بعد عام، والأنشطة متعددة وكنت فاعلاً في الكثير من الأنشطة كمجلات الحائط وجمعيات اللغة العربية وغيرها، كما كنا نشارك في المناسبات الوطنية والمواسم، فالمدرسة كانت جزءاً من المجتمع وكنا نقضي معظم أوقاتنا فيها حتى بعد الدوام الرسمي من أجل المشاركة بالأنشطة، كما كنت عضواً فاعلاً في النادي العماني بالحي حتى نهاية المرحلة الثانوية.
وعن التحول المجتمعي الذي عاصره، لفت إلى أنه بعد الانتقال للمرحلة الثانوية بدأت الحياة تتعقد نسبياً حيث أخذت الحياة منظوراً آخر، والبساطة التي عشناها بدأت تختفي، والعلاقات بين الناس بدأت تتعقد فحصل تحول كبير في المجتمع.
شعور قومي مبكر
يقول الشامسي.. إن وعينا تجاه القضايا السياسية في الوطن العربي كان مبكراً، فلم تكن أعمارنا تتجاوز 13 حين صدمنا بهزيمة عام 1967 التي أثرت فينا كثيراً، وكل ذلك بسبب ارتباطنا بالإذاعات إضافة لوجود المدرسين الأفاضل من الدول العربية واحتكاكنا بهم وبأسرهم الذين يقطنون معنا في الحي ذاته، كل ذلك جعلنا نعيش القومية العربية ونهتم بها، فكانت الحياة وكأنك تعيش في وطن عربي مصغّر، أما الحدث الآخر فهو احتلال إيران للجزر الإماراتية حيث خرجنا مظاهرات احتجاجية بسببها.
وعن شعوره حول إعلان الاتحاد قال.. إن الحدث الثالث الذي أثّر بي إيجابياً هو إعلان دولة الاتحاد لأننا قبله كنا نشعر أننا ننتمي لمشيخات صغيرة وأننا نعيش على أطراف الوطن العربي، أما عند إعلان الاتحاد بتنا نشعر بأننا ننتمي إلى دولة وأن هذا سيغير كثيراً من مستقبلنا فأحسسنا بنوع من الضمان والاستقرار.
الاقتصاد والسياسة يحركان المجتمع
ومنذ صغره يميل للجوانب السياسية والاقتصادية فنهل منها الكثير اطلاعاً ومعايشة في الواقع ما جعله يشعر أنها هي التي تقود المجتمعات، فقرر الاختصاص بها، وبالفعل درس الاقتصاد في جامعة بغداد، وعن سبب اختياره لهذه الجامعة بالذات قال.. لأسباب عديدة منها أن الالتزام بالدوام كان إجبارياً، إضافة إلى أن بغداد في تلك الفترة كانت من العواصم المهمة على الساحة العربية بالجانب الثقافي على اعتبار أنها كانت تضم نخبة كبيرة من الشعراء والمفكرين وكانت المكتبات متوفرة، كما أن المجتمع العراقي قريب بقيمه وعاداته منا.
وحدثنا عن مرحلة الدراسة الجامعية فقال.. كانت ثرية حيث كان الأنشطة الطلابية كثيرة، كما ضمت الكثير من المؤتمرات على كثير من الأصعدة، فكانت فترة خصبة اكتسبت منها أشياء كثيرة في تكوين شخصيتي من خلال لمس الكثير من القضايا التي كانت تجول في خاطري فوجدت هناك المجال للاطلاع عليها، فكانت تلك المرحلة فرصة لي لإثبات نفسي بعد كل ما اختزنته في مرحلة الطفولة وأن أخرج ما لدي على الصعيد الثقافي من خلال المحاضرات والندوات والمهرجانات.
مرحلة عمل ذاخرة
عمل الشامسي بعد تخرجه في وزارة الخارجية فلم يشعر بالإشباع الذي يرغب به، فجاءته فرصة عمل في مؤسسة صحفية ولكن في المجال البحثي فكات مدير مركز الدراسات في مؤسسة الاتحاد، فكانت كما يقول فرصة لاكتساب مهارات جديدة والاختلاط مع أشخاص يختلفون عن الأشخاص العاملين في الحقل السياسي.
وأضاف الشامسي أنه بعد ذلك انتقل للعمل في ديوان سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة كمدير للشؤون الإعلامية، وكان صلب عمله هو إبراز النشاطات التي تقام بالإمارة، إضافة لاستضافة وفود إعلامية من دول أجنبية، لاطلاع على الواقع العربي لتغيير الصورة النمطية لدى الغرب عن العرب.
وقال الشامسي.. بعد 7 سنوات تشرّفت بأن أكون مدير الدائرة الثقافية في الشارقة حيث عملت مدة 4 سنوات، استطعت خلالها بالتعاون مع الزملاء وتوجيهات صاحب السمو أن ننجز مشاريع كبيرة لازالت باقية حتى الآن، ومنها تطوير آلية معرض الكتاب في الإمارة، وافتتاح نادي الشارقة للفنون التشكيلية، وأصدرنا مجلة الرافد الثقافية، إضافة لانتقال إصدارات الدائرة من عدد لا يتجاوز أصابع اليد إلى المئات، كما وضعنا جوائز تشجيعية للإبداع بنواح مختلفة، إضافة للملتقيات الفكرية النوعية، وإنشاء مراكز للأطفال على الأسس الحديثة، والأهم إعادة أيام الشارقة المسرحية على أسس جديدة.
رُشح الشامسي لعضوية المجلس الوطني الاتحادي وبقي فيه لدورة واحدة فقط، وحول تجربته قال.. إن المجلس بفعل تركيبته والنظام الذي يحكمه كان أقل من طموحاتي، ولكن المجلس عبر تاريخه حاول أن يلامس كل القضايا وبعضها لازال يطرح من عشرات السنين، لكن القانون الذي ينظم عمله يحد من إلزامية قراراته، متمنياً أن تتطور هذه الآلية ليكون للمجلس دور في التشريع ربما كانت البداية في الأطر الاجتماعية والمالية على اعتبار أننا في منطقة حساسة والأمور السياسية صعبة نوعاً ما.
استراحة المحارب
افتتح الشامسي بعد تقاعده مؤسسة موسيقية، وحول ذلك قال.. الموسيقى شأن خاص حيث كنت أعزف بفرقة موسيقية في المدرسة، فوجدت أن هناك مجال للارتقاء بالموسيقى، فكان تركيزنا على أن نستنبط من تراثنا الموسيقي ونقدمه بصيغة عالمية، ومن ضمن أهداف المؤسسة كيفية استخدام الموسيقى في العملية التعليمية، وقدمنا لوزارة التربية في تلك الفترة نماذج عن كيفية إدخال الموسيقى لمادة التربية الوطنية لإيصال المعاني الوطنية للأطفال عن طريق الموسيقى، لكن المشروع أجهض في حينه.
وأضاف الشامسي.. كما طرحنا فكرة أن تأتي فرق موسيقية سيمفونية عالمية لعزف مقطوعات نحن نقوم بتأليفها مستنبطة من التراث، وقدمنا المشروع لقطر عندما كانت الدوحة عاصمة الثقافة العربية، وأقمنا معهم 3 مشاريع كبيرة.
وأشار إلى أن الجانب الثاني من المؤسسة هو الفنون التشكيلية، حيث نشارك بمجسمات ذات صبغة فنية منها المشروع الذي قدمناه للأطفال قبل 15 عاماً في حديقة مشرف، إضافة لتنظيم مسابقات فنية للأطفال منها مشروع النحت بالرمل قبل عدة سنوات في دبي بالتعاون مع بلدية دبي والآن لدينا مجموعة مقترحات معهم منها إنشاء نصب تذكارية كبيرة حول الفن الحديث.
خوف
وعبّر الشامسي عن خوفه على مجتمع الإمارات فقال.. إن المجتمع مرّ بطفرات مادية كسرت كثيراً من القيم السابقة واختلفت المعايير فأصبح المعيار المادي هو الأساس، فقد بات يغلب عليه الثقافة الاستهلاكية، وهذا مفهوم مدمر حيث تختلف المعايير، ويصبح المظهر الخارجي هو المهم لدى الإنسان وللأسف هذه ظاهرة خطيرة تفشت.
وأضاف.. كما غابت الكثير من المفاهيم كالثقة والأمانة والتسامح والإيثار ولم تعد مسائل مفصلية في حياة البشر بل أصبحت العلاقات تقاس بالمصالح، وهذا كله يؤدي للاغتراب داخل المجتمع، مؤكداً أن الحل هو بإعادة هذه المفاهيم للمجتمع من خلال تبديل نظم التعليم والسياسة الإعلامية التي يجب أن تركز على هذه المسائل.
العائلة
قال الشامسي.. تعرفت على زوجتي خلال الحراك الثقافي والاجتماعي خلال الثمانينات في النادي الثقافي العربي بالشارقة، حيث كانت إعلامية في جريدة الخليج وهي الآن مديرة مكتب جريدة الاتحاد في دبي، لدينا ولدين وبنت هم البكر فراس مهندس ميكانيكي وغيث مهندس مدني، والفتاة نوار مساعد مخرج في تلفزيون دبي وهي الوحيدة التي أخذت منا شيئاً حيث درست الإعلام.
أمنيات عميقة
وختاماً، تمنى أن يسعى الجميع لخدمة هذا البلد بصدق دون وضع المسألة في مقياس الاستفادة الآنية والخلاص الشخصي، وأن يتكاتف الجميع بجعل هذا المجتمع آمن ومستقر، وأن يكون مجتمعاً واعياً وتنحسر هذه المظاهر الاستهلاكية الشديدة، ولابد أن يتم التخفيف من الغربة التي نعيشها داخل وطننا بسبب التدفق الهائل للأجانب، فهذا يشكل مخاطر على تركيبة الشخصية الإماراتية.
أجرت اللقاء: رحاب عمورة
نشرت سابقا في مجلة المضمار عام 2014