مصيرهم على كف عفريت … نحو 36% من سكان دمشق ولدوا ونشؤوا وربما تزوجوا وأنجبوا أطفالاً في تلك الأمكنة التي تسمى بالسكن العشوائي … أو ما ندعوها عادة بمناطق المخالفات … لا نعلم من الضحية ومع من الحق … فالأرض أصلاً للدولة ولا أحد ينكر ذلك … لكن هؤلاء الناس يقطنون هنا منذ عشرات السنين ولا يعرفون لهم مكاناً آخر … وربما مصدر رزقهم أيضاً هنا كمحل تجاري أو غيره … فماذا سيفعلون؟… وما هي الحلول التي ستضعها الدولة عند بدء التنظيم في تلك المناطق الذي على ما يبدو أنه قريب في دمشق ؟ وهل سيأخذ كل ذي حق حقه؟؟؟

 

حاكمك ظالمك تشكي أمرك لمين..؟؟!

التقينا بالعديد من الأشخاص في بعض مناطق المخالفات وقد تفاجؤوا كثيراً بموضوع التنظيم وهذه كانت ردود أفعالهم :

أبوأحمد رجل في خريف العمر قال: إنني أقطن هنا منذ 20 عاماً وابني البكر ترعرع هنا وتزوج وأنجب طفلاً ، ونحن لا نعرف لنا مسكناً آخر وقد اعتدنا على الناس والجيران، فهل بعد كل هذا العمر سأبدأ حياتي من جديد في مكان آخر، العمر لم يعد يتحمل، وفراق أصدقاء الشباب من الجيران يؤلم قلبي..

سالم، شاب في ربيع العمر يعمل صيدلانياً ويفتح صيدلية في إحدى مناطق المخالفات: إنني أملك صيدلية ولها خصوصية من حيث وجوب التقيد بالمسافة القانونية بين أي صيدليتين، ولا يخفى على أحد المعاناة التي يعانيها أي صيدلي من أجل تأمين محل لتأسيس صيدلية ضمن الشروط والمسافات القانونية، وبذلك إذا سلمتها للجهة المستملكة فسوف أبقى دون عمل كما أن تسجيلي في النقابة سيتوقف بسبب عدم ممارسة المهنة ناهيك بأن التقدير للتعويضات لن يكون بحجم المبالغ التي وضعتها في الصيدلية التي تحتوي على ديكورات ثابتة ذات قيمة مرتفعة ومفصلة على حسب حجم الصيدلية، وبالتالي ستتلف عند تسليم العقار فماذا سأفعل بتعويضهم الزهيد؟ وأنا متأكد من ذلك فما سيحدث معنا حدث مع غيرنا في المناطق التي نظمت وسكانها تشردوا في أماكن مختلفة وضاع كل شيء منهم .

أبو رامي: سينظمون؟ نسمع هذا الكلام منذ عشرين عاماً ولم نرَ شيئاً حتى الآن، وعلى كل حال إذا عوضونا أين سيعوضوننا ؟! في الحسينية، فهي الموضة الدارجة الآن والتي أعتبرها شخصياً تحتاج إلى تنظيم أكثر من المناطق التي يخلونها للتنظيم أم أنهم يعتبرون أن الناس الذين يسكنون في هذه المناطق لا يستحقون أكثر من ذلك ؟!

أم ربيع، امرأة عجوز: انتقلت إلى هنا منذ 25 عاماً، كان أطفالي صغاراً والآن هم شباب وبعضهم على وشك الزواج، أي قضيت معظم حياتي في هذا المكان، فإلى أين سأذهب إن صدق قولك ونقلتنا الحكومة ؟! فجيراني هم أهلي وسأموت إن ابتعدت عنهم .

أبو حمزة رجل عجوز : يا بنتي ماذا سنفعل؟ إنه قضاء الله ومهما قلنا أو فعلنا ستنفذ الحكومة ما تريد وتنقلنا إلى حيث تريد! ألا تسمعين المثل القائل: حاكمك ظالمك.. تشكي أمرك لمين ؟!!

أما سليم الذي يمكن أن يبدو حيادياً أو موضوعياً نوعاً ما: لا بأس إن عوضونا بمساكن أخرى ولكن أتمنى أن تكون قريبة من مكان سكننا أو حتى في المكان نفسه بعد تنظيمه، فأين المشكلة في ذلك ؟!

 

الوزير الأطرش: كل شخص ستخرجه عليك أن تؤمن له السكن البديل

وردا على كل التساؤلات قال وزير الإسكان هلال الأطرش إن انتشار مناطق السكن العشوائي يعود إلى أواسط القرن الماضي، وحتى الآن لا يمكن أن يعالج هذا الموضوع بزمن قصير، إنما تشكلت خلال السنوات المديدة نتيجة تراكمات كثيرة، منها لأسباب موضوعية ومنها نتيجة ديموغرافيا السكان والوضع الاقتصادي فيها، وإزالة هذه المخالفات من المدن يحتاج إلى إجراءات كثيرة منها:

أولاً: التشريعات والأنظمة والقرارات.

ثانياً: إعداد آلية العمل لخطط تنظيمية وتفصيلية وكل ما يتعلق بهذا الموضوع لإنشاء السكن البديل.

فهذه التجمعات سكانية، وكل شخص ستخرجه من منزله عليك أن تؤمن له السكن البديل، وبطبيعة الحال يتم الاطلاع على واقع المخالفات من كل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية وإقرار مجموعة من التشريعات أو معالجة معينة، وتتضمن حالتين:

1- الأبنية المشوهة للمنظر العام وغير المحققة للسلامة العامة: يجب استئصالها في تطبيق المخطط التنظيمي الموضوع لهذا التجمع.

2- أبنية يمكن تشذيبها وتآلفها مع المنطقة ومع الواقع: تحسين واقع الخدمات فيها وإبقاؤها كما هي بعد شق الطرق والشوارع والبنى التحتية والحدائق وسواها، وهذا يستدعي وجود دراسات تخطيطية.

لقد بدأت مرحلة معالجة المناطق وكانت البداية بصدور القانون 26 لعام 2000، والبدء بإعداد المخططات التنظيمية التفصيلية لهذه المخالفات حتى يتم البدء بمعالجتها.

 

المحافظة: لن نقوم بالإخلاء بانتظار تأمين المساكن البديلة

وللاطلاع على حقيقة الأوضاع من الجهات الرسمية توجهنا إلى المحافظة للسؤال عن الموضوع وماهيته، وحصلنا من إدارة التنظيم العمراني في محافظة دمشق على إجابات عسى أن تكون شافية ومطمئنة للمواطنين:

*هل بدأت دراسة المخططات التنظيمية لمناطق السكن العشوائي؟

هناك مناطق تمت دراستها سابقاً مثل مزة جبل الـ 86، حي تشرين والحفيرة، الطبالة والدويلعة، نهر عيشة والدحاديل، يتم الإعداد لاستكمال دراسة مخططات المناطق الأخرى أو إعادة النظر بدراسة بعض هذه المناطق ضمن خطط الأعوام القادمة، وتم إدراج خمس مناطق سكن عشوائي للدراسة وإعداد المخططات التنظيمية لها ضمن خطة العامين 2006 و 2007 وهي:

– منطقة مخالفات جوبر.

– منطقة مخالفات الدويلعة (الطبالة).

– منطقة الدحاديل ونهر عيشة واللوان.

– منطقة مخالفات خلف الرازي.

– منطقة مخالفات سفح قاسيون.

كما ستتابع دراسة بقية المناطق خلال الأعوام اللاحقة وبتسارع أكبر.

ما هي الاستراتيجية المتبعة في التنفيذ؟

إن استراتيجية التنفيذ تختلف من منطقة لأخرى حسب التقييم الفيزيائي والإنشائي والاقتصادي والعمراني لهذه المناطق، فيمكن أن تكون إما بالإزالة أو بإعادة التأهيل أو بالأسلوبين معاً.

أين سيعوض السكان المقيمون الآن في هذه المناطق؟ في المنطقة نفسها أم في أماكن أخرى؟

الموضوع يتبع صفة الاستخدام التي ستقر في ضوء توجيهات مصور عام المدينة، وفي حال تم اعتماد تعويض السكن في نفس المنطقة فسيكون هناك فائض سكاني نتيجة التكلس السكاني في هذه المناطق ويتم تأمينهم في مناطق توسع قريبة ما أمكن ذلك.

 

*هل سيتم تسليم البيوت للسكان فوراً.. وتعويضهم أم أن الروتين سيبقيهم في الشارع؟

إن محافظة دمشق لن تقوم بإخلاء أي منطقة سكن عشوائي بانتظار تأمين المساكن البديلة إما من خلال تنظيم هذه المناطق على التوالي وتأمين السكن البديل أو من خلال تأمين هذا السكن في مناطق التوسعات المعتمدة أصولاً.

* كيف ستقدر الدولة قيمة البيوت وتعويض السكان؟ وهل سيضطرون لدفع فروق هائلة بين منزلهم والمنزل الذي ستعوضهم به الدولة؟ كما حصل مع غيرهم؟

إن الموضوع يتعلق أولاً بالقانون الذي سيطبق في المنطقة، وقد أجاز القانون 26 لعام 2000 تطبيق القانون 9 لعام 1974 بأحد بابيه التقسيم أو التنظيم حيث تكون الدولة ممثلة بالإدارة قيمة على هذا التنظيم فقط، أو تطبيق أحكام مرسوم الاستملاك، وهذا مرهون بالتعديل المقترح على مرسوم الاستملاك الذي هو في المراحل النهائية للإصدار أصولاً.

كما نشير إلى قانون الاستثمار العقاري الذي هو قيد الإنجاز حالياً.

* أحياناً يمتلك الشخص بناء من عدة طوابق يسكنها أكثر من عائلة، كيف سيعوض بمنزل واحد أم وفقاً لعدد الطوابق؟

إن القوانين والتعليمات التنفيذية المتبعة حالياً تحدد تعويض عدد المساكن البديلة بعدد العائلات المستحقة للسكن البديل.

 

* من سيستسلم تنفيذ المخططات؟ وكم ستكون مدتها؟ أم أن المدة مفتوحة مثل مشروع ساحة الأمويين؟

لا مجال لمثل هذه المقارنات عندما نتكلم عن مدينة وعدد من مناطق المخالفات يزيد عن 19 منطقة ضمن الحدود الإدارية لدمشق و13 منطقة في المناطق المجاورة في محافظة ريف دمشق ومساحتها تزيد عن ربع مساحة المدينة، فإن تنفيذ هذه المناطق حتماً سيستغرق مدة تحدد بموجب برامج مرحلية تنفيذية لهذه المشاريع وهذا التنفيذ، كما تم البيان سابقاً، مرتبط أيضاً بتأمين السكن البديل إما من خلال تقسيم منطقة المخالفات إلى قطاعات تنجز على التوالي أو تأمين مناطق سكنية بديلة مناسبة وتنفيذ تنظيم منطقة السكن العشوائي كاملاً.

 

* هل استعنتم بخبراء المدن في هذا الأمر؟

نعم تقوم المحافظة بالاستعانة بخبراء في تنظيم المدن كما ستعمد إلى طرح هذه المشاريع على جميع الجهات والمكاتب الاستشارية ذات الخبرة في أعمال تخطيط وتنظيم المدن والمهتمة بدراسة هذه المناطق، كما ستعمد إلى طرح الدراسات التنظيمية الجديدة للمجتمع الأهلي لاستبيان الرأي في المخططات التنظيمية وأسلوب التنفيذ الذي سيتم اعتماده.

 

* يوجد ما يقارب 50 منطقة مخالفات في دمشق، هل سيشملها التنظيم كلها؟ والعدد الهائل الذي يقطنها هل أخذت الدولة باعتبارها كيفية تأمينهم علماً أن 36% من سكان دمشق تقطن في مناطق السكن العشوائي؟

سبقت الإشارة إلى أن التنظيم سيكون بشكل متتابع، وفيما يتعلق بتأمين العدد الهائل الذي يقطن في مناطق المخالفات والسكن العشوائي، فقد تم البيان أن محافظة دمشق تعمل جاهدة لتأمين مناطق توسع جديدة من خلال توجهات مصور عام دمشق الجديدة على عدة محاور:

المحور الأول الغربي: باتجاه منطقة المعضمية وقطنا.

المحور الثاني الجنوبي: باتجاه منطقة صحنايا وأشرفية صحنايا وتلال الكسوة.

المحور الثالث الشمالي: باتجاه مناطق معربا ومعرونة والتل.

إضافة إلى الأراضي التي يتم السعي لتخصيصها في توسع قدسيا والديماس في اتجاه المحور الأول نحو الغرب.

مع التأكيد على ما تم توضيحه حول إعادة تنظيم مناطق السكن العشوائي القائمة بالأشكال المتعددة المشار إليها بما يسمح بتأمين العدد الهائل الذي يقطن مناطق السكن العشوائي.

 

* ماذا تقدم الدولة حالياً لتخديم هذه المناطق وتسهيل العيش على سكانها ريثما يتم التنظيم؟

إن الدولة حالياً ممثلة بالمحافظة تقوم بتقديم خدمات المياه والكهرباء والهاتف والصرف الصحي ومعالجة القمامة إضافة إلى تأمين الخدمات والمرافق الأساسية من مدارس ومستوصفات وحدائق ومشيدات إدارية بحسب إمكانية توفير الأراضي المناسبة لذلك.

تعقيب

ما بين تشاؤم المواطنين خوفاً من ضياع حقوقهم، وأن يجدوا أنفسهم في الشارع بين ليلة وضحاها وبين تفاؤل الدولة في تنظيم المدينة وإعطائها شكلاً حضارياً نتأمل ألا يكون تشاؤم المواطنين في مكانه.. وألا يتكرر معهم ما حصل مع من سبقهم بحيث يقضون حياتهم لدفع فرق السعر ما بين سكنهم الحالي والسكن البديل.. فهل يتحقق ذلك على أرض الواقع..؟!!

 

تحقيق: رحاب عمورة

نشر التحقيق في جريدة الدبور السورية عام 2007

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *