كثيراً ما تعاني المناطق والأحياء من سوء الخدمات التي تقدمها البلدية التابعة لها.. ولكن على الأقل هنا.. يعرفون (غريمهم) الذي عليهم محاربته.. ليكيل كل منهما الضربات للآخر.. أما أن يكون (غريمك).. مجرد طواحين هواء يحاربها دونكيشوت.. وأن تكون بلا انتماء وأنت جزء من وطن.. فهذه هي المصيبة الأعظم.. وهذا ما تعانيه منطقة حي الزين في محافظة ريف #دمشق.

بين حانا ومانا!

تسير في الشارع لتجد منظراً عجباً، فالمنطقة مرقعة كلوحة الشطرنج.. ما إن تمشي قليلاً حتى ينتهي الإسفلت (الزفت) وتبدأ بالسير على التراب أو على إسفلت قديم، وبعد فترة من الزمن يعود الإسفلت للظهور.. تستغرب الموضوع وتسأل أهل المنطقة فيقولون:

* سالم: عند نهاية الإسفلت السابق حدود بلدية يلدا وعند بداية الإسفلت الثاني حدود بلدية اليرموك.. أما الوسط فلا أحد يريده.. أو مستعد أن يتبرع من ذاته ليزفته حتى على سبيل النخوة.

ثم تبدأ بالنظر ذات اليمين وذات الشمال.. هذه الحارة أرضها عليها الإسفلت.. وتلك لا.. فتتساءل: لماذا..؟!

* عدنان: الحارة ذات الإسفلت.. أهلها اضطروا أن يدفعوا لإحدى البلدتين ليزفتوها.. أما الأخرى فيبدو أن أهلها مازالوا صامدين.. رافضين الدفع..

* رامي: نحن أنفسنا لا نعلم لأي بلدية نتبع.. بلدية يلدا تقول لنا أننا نتبع اليرموك.. واليرموك تقول أننا نتبع يلدا.. وعند وجود أي مشكلة نحتار لمن سنشتكي!

عند بحثنا المسألة وجدنا أن البلدتين تتنصلان من المنطقة حتى لا تتحمل أي منهما عبء تخديمها بالاحتياجات المطلوبة للمواطنين.

وبالتعمق أكثر في هذه المسألة وجدنا أن المنطقة مقسمة.. أشلاء.. بين البلديات المختلفة.. وأهل المنطقة أنفسهم لا يعلمون لمن يتبعون، فيقولون إنهم تابعون خدمياً لبلدية يلدا.. وهواتفهم لمقسم هاتف الحجر الأسود وكهرباؤهم لطوارئ مخيم اليرموك.. والماء لا أحد يعلم لمن تتبع.. فربما كانت تتبع لبلدية رابعة!!

عند القبض يتصدرون.. وعند الدفع يتهربون..

في الشوارع والحارات تظن نفسك في مكب للنفايات أو منطقة مهجورة لا يقطن فيها أحد، فالقمامة تملأ المكان لدرجة تضطر أن تسير فوقها.. والأوحال حدث ولا حرج.. إذ إنك تضطر لتغوص فيها وتختفي معالم حذائك داخلها.. حتى إن أهالي المنطقة قالوا:

* سميرة: في أيام الأمطار لا أرسل أولادي إلى المدرسة، فهم صغار ولا يستطيعون السير في الوحل.

هنا بدأنا نسأل: ألا تدفعون الرسوم المالية الخاصة للخدمات؟ فأجابوا: بلى.. نحن ندفعها لبلدية يلدا.. وتأخذها بكل ترحاب.. لكنها غير مستعدة أن تقوم بأي عمل لإزالة القمامة أو تزفيت الشوارع لتختفي الأوحال.. بحجة أن المنطقة ليست تابعة لها.. فلماذا يقبلون الرسوم إذاً؟!..

بعض المواطنين يستغلون الوضع أيضاً..!

يبدو أن استغلال هذا الوضع ليس مقتصراً على الجهات المسؤولة فحسب بل يقوم به بعض المواطنين أيضاً.. فعلى اعتبار أن المنطقة هي منطقة مخالفات.. فأي بناء هنا معرّض للهدم، وتجد البلديات راكضة.. لتنفيذ القانون.. وهدم غرفة قد تأوي عائلة.. لكن بعض المواطنين استطاعوا استغلال التشرذم الذي تعيشه المنطقة.. (وما حدا أحسن من حدا).. فعندما يريدون بناء أي شيء.. يذهبون إلى بلدية اليرموك ليحصلوا منها على وصفة تثبت تبعيتهم لها.. وكذلك بلدية يلدا يحصلون منها على ورقة تثبت تبعيتهم لها.. وكذلك بلدية يلدا يحصلون على ورقة مماثلة منها.. فإن جاءت بلدية اليرموك للهدم قالوا إننا نتبع بلدية يلدا.. وبالعكس.. وهذا يذكرنا بفيلم الحدود لدريد لحام..!! ويبدو أن المواطن هنا متأكد أن البلديتين لن تتفقا عليه أبداً.. وعلّق أحد المواطنين على الوضع قائلاً: إننا نعاني كثيراً من سوء تخديم المنطقة والكل يتنصل منا وكأننا وباء، ولكنهم في الوقت نفسه لا يقصرون عند قبض أية مبالغ.. فلماذا لا نستغل طمعهم لنستطيع أن نكمل حياتنا؟!

تعقيب:

بين (مطرقة) يلدا.. و(سندان) اليرموك.. تعيش المنطقة في اللامكان.. وهي غير موجودة على خريطة أي منهما.. ولكنها موجودة في خريطة الواقع.. فهل نعمي أبصارنا وندير ظهرنا لأناس اضطرتهم الظروف والحياة الناسية أن يعيشوا في مكان مجهول الهوية..؟!

أجرت التحقيق: رحاب عمورة

نشر سابقا في جريدة الدبور السورية عام 2008

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *