الجميع متشوق لسماعها فهي صوت التراث الأصيل.. جذور راسخة في أعماق الأرض الطيبة تؤرخ لزمن ساطع.. تحكي حكايات الأجداد وتوثقها لتكون إحدى شموس البلاد التي لن تغرب مهما طال الزمن، فهي فتاة العرب كما لقبها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في إحدى قصائده:

يا فتاة للعرب كل العرب              لك تغنينا وما نطلب ردود

 

كانت ليلة تراثية ثقافية بامتياز وميزها حضور أمير الثقافة سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة الثقافة والفنون بدبي، وعدد كبير من الشخصيات المهمة والمثقفين والشعراء والإعلاميين وشعب الإمارات المحب للشعر النبطي، ليشهدوا إصدار الموسوعة الصوتية لشاعرة الإمارات الأولى عوشة بنت خليفة السويدي بالتعاون بين مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث ومتحف المرأة.

صدح صوت فتاة العرب في القاعة عبر فيلم أعد للمناسبة، ليعود بك إلى ذلك الزمن الجميل فتنسى صخب الحاضر، وتشهد ولادة التاريخ من جديد.

صوت نسائي قوي

هذا التاريخ والتراث الأدبي العريق والذي يضم المجموعة الشعرية الكاملة لقصائد “فتاة العرب” ملقاة بصوتها، هو عمل أدبي من جمع وتدقيق د. رفيعة غباش، مؤسس متحف المرأة التي حرصت بشدة على توثيق تراث الإمارات الأدبي من خلال تجميع وتوثيق القصائد الشعرية للشاعرة عوشة.

ولفتت الدكتورة رفيعة غباش خلال الحفل إلى أن فتاة العرب استطاعت في فترة وجيزة أن تكتسب مكانة مميزة على الساحة الشعرية حتى أصبحت واحدة من أكثر شاعرات المنطقة إنتاجاً وحضوراً في مجال الشعر النبطي.

وأكدت غباش أن الشاعرة عوشة أثّرت في الحركة الشعرية النسائية في الدولة كصوت نسائي شعري قوي وفعال يبرز مكانة المرأة الإماراتية ودورها المهم والمؤثر في المشهد الثقافي المحلي.

إرث عظيم

ويجمع الشعراء والمهتمون بالشعر النبطي على أن لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والشاعرة عوشه السويدي هو أهم حدث أثرى حركة الشعر النبطي في دولة الإمارات إن لم يكن في منطقة الخليج كلها.

فقد قال سمو الشيخ محمد بن راشد أعذب الشعر بها تأكيداً منه على أنها ركن أساسي في تاريخ الأدب الإماراتي:

ردّ الصّدى للنّدا يا ركن الاركاني                يلّلي على جرحي الدّامي تواسيني

لترد عليه الشاعرة عوشة بقصائد أغنت حركة الشعر النبطي، تمتدحه فيها بأنه فريد من نوعه لم تلد الحرائر شبيهه، وتدعو له بطول العمر والحفظ والتمكين والمنعة والطمأنينة:

يا رايد الفخر يا معدوم لاقراني                من مثلك البيض ربت في المياميني؟

اللّه يمدّك بعمر وحفظ وامكاني                 في منعةٍ كلها قوه وتطميني

وهذا غيض من فيض ليبقى إرثاً عظيماً تتناقله الأجيال ليحفظ تاريخاً ثقافياً وموروثاً وطنياً يعد أحد الجذور الثابتة لدولتنا.

الديوان المسموع رفد للمكتبة التراثية

من جانبه، أكد عبدالله حمدان بن دلموك، الرئيس التنفيذي لمركز حمدان بن محمد أننا نسعى من خلال توفير الديوان بشكل مسموع إلى رفد المكتبة التراثية بمادة غنية منطوقة لتساعد الجيل الجديد في الرجوع إلى هذا الإرث الثقافي بسهولة ويسر.

ولفت بن دلموك إلى أنه بإصدار ديوان عوشه نكون قد قمنا بحفظ وتوثيق جانب كبير من الموروث الشفاهي والذي يعد اليوم من المصادر والموارد الرئيسية في مختلف المجالات لكافة مراكز البحوث والدراسات التي تعتني بأرشفة موروثات دولها.

وأوضح بن دلموك أن ديوان فتاة العرب المسموع يعد الأول لشاعرة نبطية ومن أهم مراجع تراثنا العريق في لهجة سكان دولة الإمارات العربية المتحدة وقبيلتنا الأم بني ياس أساس القبائل في الدولة.

عمل بن دلموك خلال الحفل على شرح بيت واحد من قصائد الشاعرة عوشة “فرخ حر ٍ مخلبه شرسا.. في الجوارح هوب جرناسه” ليبين للحضور غزارة وعمق الكلمات في بيت واحد فكيف في قصيدة كاملة أو ديوان!

سوق عكاظ

ومن وحي الأمسية الذاخرة انبلجت قريحة الشعراء والشاعرات الحاضرات فتحول المكان إلى سوق عكاظ يلقى فيه أعذب الشعر وأروع الكلام، ليكون الختام مسك وعنبر وشعر نبطي.

 

سيرة “فتاة العرب”

نشأت الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي المعروفة بـ«فتاة العرب» يتيمة الأم في كنف جدها، وهي من مواليد مدينة العين، تزوجت وأنجبت طفلة، وعملت في التجارة.

بدأت تظهر موهبتها في عمر 12 سنة، حيث حلمت في ذلك الوقت بأنها ابتلعت القمر، وقد فسروا لها الحلم بأنه سيكون لها شأن كبير في مجال ما، وكان نجاحها في الشعر.

كتبت في شتّى المجالات ولها قصائد في الإسلاميات والنقد الاجتماعي والمدح والغزل، وجارت أكبر الشعراء مثل سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وأحمد الكندي وعمير بن راشد آل عفيشه الهاجري، كما تغنّى بكلماتها كثير من الفنانين امثال جابر جاسم، علي بن روغة، ميحد حمد وغيرهم الكثير.

كانت تعرف باسم فتاة الخليج سابقا نظراً لأهمية شعرها الذي وصل الى كل دول الخليج، إلى أن أرسل لها سمو الشيخ محمد بن راشد قصيدة يصفها بها بـ “فتاة العرب” فاتخذت هذه التسمية، وهي تتمتع بكل مقومات المرأة الاماراتية ذات الشخصية المستقلة المعتزة بموهبتها وعصاميتها.

وتوقفت عن كتابة الشعر منذ ما يقارب 15 عاماً، حيث ختمت مسيرتها الشعرية بكتابة قصيدة «الغفران».

 

تغطية: رحاب عمورة

نشرت سابقا في مجلة المضمار عام 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *