
تراه مبتهجاً واثقاً من نفسه.. نشوة الانتصار وتحقيق طموحاته بادية للعيان.. يؤكد أن من صنع وخطط لمسار حياته هي مقولة أبيه له منذ الصغر (عليك أن تجرب حياة مختلفة في مكان مختلف) فسافر وجلب معه صفوة ثقافات كثيرة ليطبقها في بلده ليكون عاملاً مؤثراً في تحريك مياه الثقافة الراكدة.. فكان له ذلك وبات اسماً معروفاً في الأوساط الثقافية والأدبية الإماراتية والخليجية .. إنه الأستاذ جمال الشحي صاحب دار كتّاب للنشر والتوزيع..
منعطف حياتي
بدأنا بالحديث معه عن بداياته وكيف استطاع أن يخطط لمسيرته فقال الشحي.. إن أهم جانب في حياتي والذي أحدث منعطفاً كبيراً فيها هو فرصة التعليم في الخارج حيث قررت السفر إلى الولايات المتحدة والعيش هناك فدرست اللغة ونلت البكالوريوس والماجستير في الأنثروبولوجيا، كما أنني عملت هناك لفترة من الزمن، وبكل ذلك تشكلت شخصيتي وهويتي، فالغرب يشكّل شخصيتك بطريقة مختلفة لأنك تحتك بثقافات كثيرة وأناس من شتى أنحاء الأرض، فعدت إلى الوطن محملاً بطموحات وأفكار كبيرة في مجال الثقافة.
ترى الإصرار في عينيه ومحبته لوطنه ليكون عنصراً فاعلاً فيه فيقول الشحي بثقة.. إنني أحب التغيير قولاً وفعلاً، كما أريد أن أحرك مياه الثقافة الراكدة وهذا ما دفعني للعمل في قطاع الثقافة بعد العودة للوطن حيث عملت في الشارقة ودبي وأبو ظبي إلى أن استطعت الاستقلال بعملي الخاص في عالم النشر وافتتحت دار كتّاب للنشر والتوزيع التي تهتم بشكل خاص بإصدارات الشباب، ثم تطورت الفكرة إلى مكتبة ومقهى ثقافي هو ( كتّاب كافيه) الذي يضم إضافة للكتب فعاليات ثقافية كثيرة كالأمسيات الشعرية وتوقيع كتب وغيرها، ونعمل على توسيع مشروعنا حيث سنفتتح فروعاً جديدة للمقهى في العديد من إمارات الدولة.
وعن المؤثرين بحياته ومسارها أشار الشحي إلى أنه كان محظوظاً بعائلة جميلة جداً لاسيما والده ووالدته، فقد كانا يحثانه على التغير والتطور للأفضل، وعلى رأس القائمة حثّاه على التعلم، مؤكداً أن مقولة لوالده هي التي رسمت مسار حياته كاملاً فما فتئ يقول له (عليك أن تجرب حياة مختلفة في مكان مختلف) فرسخت هذه العبارة في ذهنه منذ الطفولة ليطبقها واقعاً بعد أن شب وبات قادراً على ذلك، أما أمه – رحمها الله- فكانت مصرة على أن يكون من أصحاب الشهادات العليا فلم يخيب أملها فيه، معقباً أن والديه هما من كونا شخصيتي وكان لهما الأثر الأكبر في حياتي.
تشجيع
حدثنا حول عمله الخاص وافتتاحه لدار نشر كتّاب التي اشتهرت أنها تنشر للشباب والكتّاب الجدد فقال الشحي.. إنني أشجع الكاتب الإماراتي بغض النظر إن كان مبتدئاً أو مخضرماً، والأعمار التي أنشر لها متفاوتة منهم الناشئة ومنهم الكبير في العمر، بغض النظر عن مدى شهرته، والكتب التي ننشرها متنوعة فهي تضم الكتب الاجتماعية والفلسفية والأدبية وغيرها على الرغم أن أكثر مبيعاتنا هي للروايات.
وتأكيداً على تشجيعه أضاف الشحي إنني الأمين العام لجائزة الإمارات للرواية وهي جائزة تعنى بالإماراتيين الروائيين وهناك برنامج تدريبي كبير تابع للجائزة اسمه “الروائي”، حيث نختار مجموعة من الكتاب الإماراتيين ندربهم لمدة 8 شهور لينجزوا خلال هذه الفترة أول رواية لهم، وهذا يعتبر دعماً للروائيين الموهوبين.
القراءة منتعشة
وحول رأيه بعهد القراءة والكتب الورقية إن كان قد انتهى أم لا، أوضح الشحي أن القراءة منتعشة بشكل كبير ولا فرق إن قرأت من الكتاب أو عبر وسيلة تكنولوجية، مؤكداً.. أقول ذلك وأنا موجود في سوقها اليوم، وأعلم أن الكتابة وعالم النشر منتعش وفي أوجه، وهذا عكس ما يحصل في الغرب فلديهم النشر في حالة احتضار، أما في الإمارات فالإنتاج الأدبي يأخذ دوره كاملاً مع وجود كامل المقومات من كتّاب ودور نشر ومطابع وبالتالي الحالة الثقافية الجميلة اليوم في دولة الإمارات وتتمثل في معارض الكتب والجوائز المختلفة وغيرها ومع كل ذلك لابد أن يواكبها إنتاج ثقافي أدبي رائع وهذا دورنا نحن الناشرون.
يتواجدون في كل المحافل الثقافية ويطمحون للتوسع فقال الشحي.. إننا نشارك في جميع المعارض المحلية والخارجية في منطقة الخليج منها البحرين ومسقط والسعودية وقطر، فنحن حاضرون بقوة لأنها منطقتنا الجغرافية الممتدة أما في باقي الدول العربية فلدينا خطط ندرسها لامتداد نشاطنا إليها من خلال شراكات مع دور نشر عربية، وقد بدأنا المشروع الأول من خلال اتفاقية مع دار العربية للعلوم والنشر في لبنان حيث سيوزعون لنا إصداراتنا في الوطن العربي.
قهوة وكتاب
اللقاء كان في مقهى كتّاب الخاص به فسألناه من أين استلهم هذه الفكرة الجميلة فلفت الشحي إلى أنهم بحثوا عن مشروع يمكن أن تجمع الكتاب مع مكان مناسب وقهوة مناسبة ليكون للكتاب نكهة أخرى بعيداً عن الملل والجمود، فكان مقهى كتّاب، مشيراً إلى أن شعارهم هو (مقهى وقهوة وكتاب)، مبيناً أنهم في دار النشر لهم باع كبير في الكتب، ففكروا في فكرة للتسويق وجذب الناس للكتاب والقراءة معاً فقرروا أن يفتتحوا مكتبة لكنهم أرادوا أن تكون لها مساعدات وإضافات لتحرك فيها جمود المكتبات العادية، وتوصلوا إلى المقهى الثقافي الذي يحتاج إلى إدارة ثقافية ذكية، فأقاموا الندوات الثقافية والأمسيات الشعرية والملتقيات وغيرها وهذا حرك الجو وجعله ثقافياً بامتياز.
وعقب الشحي على الفكرة قائلاً هي فكرة قريبة للصالونات الثقافية في الستينات والخمسينات لكن فكرتنا تغلب عليها المكتبة حيث تتواجد كتب كثيرة فيها لمن يحب الاطلاع والمطالعة، فتجدين المكتبة والصالون الثقافي وما بينهما المقهى ليتكون هذا المنتج الثقافي.
وعن رواد المقهى أخبرنا الشحي أن عامل الزمن له دوره في ذلك ففي المساء ترى فئة الشباب هم الأغلبية فمنهم من يقرأ وآخر يدرس وبعضهم يحضر لبحث ما، أما في الصباح فتجد كبار السن هم الموجودون في المكان، لافتاً إلى أن هذا أجمل ما يمكن أن تحققه بأن تستطيع جذب فئات عمرية مختلفة إلى مكان واحد.
خلق الفرص
حول وجود أسماء إماراتية وعربية حديثة يمكن أن تنافس على الساحة العالمية كما في زمن نجيب محفوظ قال الشحي .. بالتأكيد هناك أسماء فالسماء تتسع لكل النجوم صغيرها وكبيرها، ومن خلال الموهبة والالتزام يستطيع أي كاتب أن يحقق فرصته في هذا العالم الفسيح، فنحن اليوم نعيش في مدينة عالمية وقد كانت قبل 20 عاما محلية فحسب أما الآن فباتت عالمية بكل المقاييس بسبب مجموعة معايير هي الإدارة الجيدة والاهتمام والتعليم، وفي عالم الكتابة لابد من توافر معايير أيضاً هي كاتب جيد وموهبة وممارسة والتزام فكل ذلك ينتج كابتاً مؤهلاً للوصول إلى مكانة عالمية وبالتالي هناك فرصة لأي شخص يريد أن يسطر اسمه في التاريخ، والفرص لا تنضب أبداً بل تُخلق فلابد أن نخلق فرصنا بأيدينا وهذا يعتمد على الشخص نفسه لأنه المحور الأساسي في كل ذلك.
هوايات أخرى
وسألناه عن هوايات أخرى بعيداً عن جو الكتب والكتابة فقال ضاحكاً .. إنني أحب مشاهدة الأفلام كثيراً حيث أقضي أوقات فراغي بمشاهدة الأفلام مع أصدقائي، كما أخصص وقتاً من فراغي لعائلتي في المنزل، معقباً إنني أحب القهوة كثيراً ولذلك فأشربها بكثرة في المنزل.
أحلام وطموحات
وختم الشحي لقاءنا معه بالحديث عن أحلامه وطموحاته فقال .. لدي أحلام كثيرة منها تحقق ومنها على قائمة الانتظار، بعضها له علاقة بنشر مؤلفات في الأيام القادمة، إضافة إلى التوسع والتطور في مجال الثورات الثقافية المنتشرة وقد بدأنا بذلك، وهدفي الأساسي أن نكون دار النشر الأولى في الوطن العربي وأن تتحول دار كتّاب إلى دار نشر عالمية وإن شاء الله سنحقق ذلك.
أجرت الحوار: رحاب عمورة
نشر سابقا في مجلة المصمار الإماراتية عام 2014