
رغم صعوبة الإمكانيات والطريق الوعرة التي خاضوها إلا أنهم كانوا قادرين على إثبات تميزهم وأن أي عائق لن يثنيهم عن متابعة الطريق.. مدربو سباقات السرعة الإماراتيون استطاعوا حفر اسمهم عميقاً في عالم التدريب، ليمهدوا الطريق للجيل الجديد بدخول الميدان مع مواجهة صعوبات من نوع آخر.
تحدي
عندما نرى الخيل في الميدان ينطلق بكل عزيمته للوصول إلى خط النهاية لابد أن نعلم أن خلف هذه الإنجازات التي يحققها أشخاص عملوا ليل نهار للوصول إلى هذه النتيجة.. إنهم المدربون الذين يعملون على تدريب الخيل لتصبح قادرة على منافسة مثيلاتها، وفي بداية السباقات كانوا يستعينون بالمدربين الأجانب، ولكن مع الوقت بدأ المدربون الإماراتيون يدخلون مجال التدريب رغم الإمكانيات الضعيفة بذلك الوقت، لكنهم استطاعوا التحدي والوصول إلى أعلى المراكز، حيث مهدوا الطريق للجيل الجديد لدخول المضمار بكل الإمكانيات المتاحة أمامهم، ليدخلوا المنافسة مع ازدياد عددهم وليثبتوا قدرتهم وكفاءتهم.
صعوبات
وحول دخول هذا المجال تحدثنا مع عدد من المدربين الإماراتيين القدامى وحديثي العهد، ومنهم المدرب المخضرم مصبح المهيري الذي قال.. بدأت ركوب الخيل منذ العام 1974 ومع الوقت شاركت في السباقات الرسمية، وبالنسبة لمجال التدريب، فقد دخلته وأنا لازلت فارساً حيث عملت على تدريب خيلي وذلك على سبيل المنافسة مع الأصدقاء فكل واحد يريد أن يظهر خيله الأفضل، ومع الوقت اكتسبت الخبرة ومدرباً رسمياً.
وأضاف المهيري.. واجهنا صعوبات كثيرة في تلك الفترة، فكثير من الأمور لم تتوفر لنا، فلم يكن هناك مضمار ولا خيول مناسبة، كما لا يوجد أطباء أخصائيين للخيول أو الأغذية المناسبة فكنا نعتمد على ذواتنا في كل ذلك، ولا يوجد اسطبلات فكنا نقيم اسطبلاتنا الخاصة في مزارعنا أو بجوار منازلنا، ونعمل على تدريب الخيل في الصحراء، أما الطبابة فكنا نعتمد على الطب الشعبي بالأعشاب لمعالجة خيولنا من خلال سؤال الخبراء بذلك، وفي التغذية كنا نطعمها الشعير ولم نكن نستخدم الفيتامينات وغيرها التي تستخدم اليوم.
بدؤوا من حيث انتهينا
حول الفروقات بينهم وبين المدربين الأجانب قال.. دخلنا السباقات في مواجهتهم بذلك الوقت حباً للمنافسة مع علمنا أنهم كانوا أكثر خبرة، ولكننا استطعنا كسب خبرة كبيرة منهم، فقد كان تدريبنا عشوائياً وليس على الأسس الموضوعة، فلم تكن لدينا هذه الإمكانيات، مشيراً إلى أن الفروق الأساسية بين خيولنا والخيول التي يدربها الأجانب هي أن خيولنا لديها لياقة ولكن ليس لديها سرعة.
ولفت المهيري إلى أن السباقات الرسمية في الدولة بدأت منذ العام 1992، وكان من أوائل المدربين المواطنين الحاصلين على رخص رسمية، واستطاع خيله الذي شارك فيه بتلك الفترة الفوز.
حول المدربين الجدد قال.. إنهم دخلوا وهم مكتسبين للخبرة مسبقاً فكل الأمور مجهزة أمامهم، وكل ما يحتاجونه متوفر، وبالتالي فهم بدؤوا من حيث وصلنا نحن، أما نحن فقد بدأنا من الصفر.
عشوائية تدريبنا لم تمنعنا من الفوز
من جهته، قال المدرب المخضرم علي راشد الرايحي.. دخلت مجال التدريب منذ العام 1975 حيث كنت أحضر الخيول وأدربها مع الأصدقاء، واستمرينا على ذلك إلى أن بدأت السباقات في العام 1984 في الشارقة، مشيراً إلى أن التدريب قديماً كان وفق الإمكانيات المتوفرة، فلم تكن هناك قوانين ناظمة لكل الأمور، فكانت طريقتنا عشوائية منها مثلاً نقل الخيول إلى السباقات بسيارات البيك آب، حيث لم يكن يوجد سيارات خاصة وقتها، ولكن ذلك لم يكن يمنعنا من الفوز بالسباقات على المدربين الأجانب.
وأضاف الرايحي.. بدأت بعد ذلك السباقات الرئيسية بدبي، حيث طبقوا القوانين العالمية على مضمار ميدان في دبي، حيث استطعنا من هذه التجارب أن نحتك مع المدربين الأجانب واكتساب الخبرة منهم.
نردها عليهم
واستعاد الرايحي ذكرياته معنا فقال.. كنا نأخذ الخيل التي يستغني عنها المدربون الأجانب فنعتني بها ونطببها ثم نخوض المنافسة معهم بذات الخيل ونفوز عليهم، وهذا كان يدعوهم للاستغراب فقد تميزنا كمدربين مواطنين بأننا نستطيع تخطي الصعوبات والتقدم بسرعة، وقد دعمتنا حكومتنا الرشيدة كثيراً في هذا المشوار، وبفضلها استطعنا التقدم والتفوق.
وعن أول خيوله التي فازت قال.. أول خيل لي فاز في السباقات هو الخيل “زعفران” وهو خيل عربي فاز في مضمار ميدان بالعام 1996، وقد أخذ هاتريك في تلك الفتر، مؤكداً.. أننا تمكنا من خوض الصعوبات في هذا المجال واستطعنا إثبات أنفسنا في مجال تدريب الخيل بفضل دعم حكومتنا وشيوخنا حفظهم الله، ولذلك فإن المواطنين تشجعوا لدخول هذا المجال، وبات لدينا مدربين من الشباب استطاعوا إثبات أنفسهم بجدارة.
المدربين القدامى مهدوا الطريق
ومن المدربين الشباب الذين خاضوا غمار هذه المهنة يوسف بن غيلان الذي قال.. هذه السنة الأولى لي في مجال التدريب، حيث كانت بدايتي مع خيالة شرطة دبي، ولحبي الكبير للخيل كنت أزور الاسطبلات وأطلع على عمل المدربين وكيفية تعاملهم مع الخيول وهذا ما أكسبني خبرة جيدة في التدريب، فعملت مساعد مدرب عند عبد الله التميمي ثم عند عمر دراج، وبعد ذلك حصلت على ترخيص لأصبح مدرباً رسمياً.
وأضاف بن غيلان.. قديماً كان دخول مجال التدريب صعب جداً سواء من حيث الإمكانيات أو الإجراءات والاشتراطات، أما الآن فباتت الأمور أسهل حيث كل شيء متوفر لنا، وطبعا هذا يُحسب للمدربين القدامى، فقد كانت لهم اليد الطولى لتمهيد الطريق لنا للوصول إلى ما وصلنا إليه، ولكن ذلك لا يمنع أن على أي شخص يريد دخول مجال التدريب أن يتمتع بمواصفات معينة ومهارات معينة ليحصل على الرخصة الرسمية التي تسمح له بممارسة مهنة التدريب، وبالتالي فلابد أن يتمتع بالخبرة اللازمة.
وأشار بن غيلان إلى أن المدربين المواطنين أثبتوا وجودهم في الساحة المحلية والعالمية، مثل علي الرايحي ومصبح المهيري وهلال العلوي، كما أن حكومتنا الرشيدة وشيوخنا حفظهم الله لم يقصروا معنا أبداً.
التدريب علم
وكان للنساء نصيب أيضاً في مجال تدريب الخيل لسباقات السرعة فهاهي صالحة الغرير أول مدربة إماراتية في هذا المجال والتي قالت.. كنت أمتلك خيولي الخاصة إضافة أن ولدي سعيد كان يشارك بسباقات القدرة وكان صغير السن فلازمته لأنني أخاف عليه كثيراً، ودربته شخصياً مع أصدقائه.
وأضافت الغرير.. ثم اشترى زوجي خيولاً خاصة بسباقات السرعة وفاجأني هو وولدي بشراء فرسات توليد من سلالات جيدة، وكنا نستعين بمدربي نادي الشارقة لتدريبها، وهنا تشجعت لتعلم تدريب المضمار، ومن خلال القراءة والاطلاع على الكتب الخاصة بتدريب المضمار إضافة للاستعانة بخبرات الزملاء من ذوي الخبرة استطعت أن أتقن كل ما يحتاجه تدريب المضمار وحصلت على الترخيص، بعد دراسة طويلة وعميقة لكل القوانين والإجراءات الخاصة به.
أكدت الغرير أن التدريب ليس مجرد هواية، إنه علم يجب إتقانه، كما أن على المدرب أن يكون قريباً جداً من الخيل لا سيما الخيل العربي ليدرس نفسيته ويكون قادراً على التعامل معه فليست كل الخيول سواء في المعاملة، وحتى يتمكن من وضع برنامج مخصص له سواء للتغذية أو الفيتاميات والأدوية اللازمة لبناء العضلات، مشددة على أنها دخلت المجال بأصوله وبالطريقة العلمية إضافة لسؤالها أصحاب الخبرة ولا تتوانى عن سؤالهم أبداً وهذا يفيدها جداً لاكتساب الخبرة اللازمة للتقدم في عملها كمدربة.
منافسة
حول تقبل المدربين الرجال لها قالت.. إن جميع المدربين كأخوتها ويشجعونها كثيراً، لافتة إلى أنها استفادت من خبرتهم دون استثناء، وأنهم لا يشعرونها أبداً أنها فتاة أو مبتدئة، بل على العكس فقد دعموها كثيراً.
ولفتت الغرير إلى أن الفرق بين دخول مجال التدريب قديما وحديثاً كبير، ولكل وقت صعوباته، فالمدربون القدامى عانوا من قلة الإمكانيات اللازمة، لكنهم في ذات الوقت استطاعوا إثبات أنفسهم وتميزوا جميعاً لأن عددهم كان محدوداً، أما الآن فالصعوبة تكمن بكثرة العدد وبالتالي المنافسة باتت أكبر وهذا يشكل صعوبة في إثبات الذات والتميز عن الآخرين.
وأشارت إلى أن رياضة الفروسية عموماً والمضمار خصوصاً ليست تجارة بل هي هواية مكلفة جداً لاسيما لمن يعمل وحده وهو حال أغلب المدربين، ولكنها في ذات الوقت راقية جداً وخاصة لمن يحبون المنافسة.
تحقيق: رحاب عمورة
نشر سابقا في مجلة المضمار عام 2015