على نغمات النهمات البحرية تجد نفسك قد خرجت من واقعك وعدت إلى زمن الأجداد الجميل.. تلك الأغاني التشجيعية التي كان يصدح بها البحارة وهم يجوبون البحر بحثاً عن الغذاء ومصدر الرزق.. تتلفت حولك لترى الأسماك على اختلافها وبطريقة الأجداد مصنوعة تحيط بك من كل مكان.. فتشعر أنك وسط أمواج البحر لتعيش تلك اللحظات واقعاً.. كل ذلك تجده في مهرجان المالح.

أقدم الصناعات

في يوم التراث العالمي لا يمكن لدولة غنية بتراثها كدولة الإمارات ألا تحتفل به، لذلك أقامت مدينة دبا الحصن للسنة الثالثة على التوالي مهرجان المالح الذي امتد من 15-18 إبريل، ونظمته البلدية وجمعية صيادي الأسماك في المدينة.

المهرجان أعاد إحياء مهنة صناعة «المالح»، التي تعتبر من الحرف التقليدية القديمة، المهددة بالاندثار، كما أعاد إلى أذهان كبار السن من الحضور ما كانت عليه المنطقة قديماً، فالمدينة تشتهر بهذه الصناعة التي تعد من أقدم الصناعات التي عرفها أهل الخليج عامة والإمارات خاصة في حفظ وتعليب الأسماك، كما أنها الأكلة الشعبية المفضلة للكثيرين، ويزداد الطلب على أكل المالح خلال أيام الصيف (القيظ) نظراً لارتباط هذه الأكلة منذ القدم بهذا الموسم من السنة إضافة لوفرة الأسماك خلال فصل الصيف.

وكان المالح ولا يزال واحداً من أهم مصادر الرزق الرئيسة لصيادي الأسماك، وعلى الرغم من التطور المذهل الذي حصل من صناعة تعليب وتجفيف وحفظ الأسماك إلا أن الناس لا تزال تفضل الطريقة التقليدية لهذه الصناعة ويكاد لا يخلو بيت أيام الصيف من علب المالح.

نكهات مختلفة

في خيمة المهرجان، عرضت محلات الأسماك المجففة وأسماك المالح بنكهات مختلفة من أسماك (القباب والكعند والخباط والصد، وغيرها)، ومنتوجات بحرية أخرى مصنعة من الأسماك والثروات السمكية التي تزخر بها المياه الإماراتية، وكذلك المنتجات البرية من السمن والإقط، وفي الساحة المجاورة تواجد المطبخ الشعبي الذي عمل على إعداد المأكولات الشعبية التي يدخل المالح في مكوناتها.

فعاليات

تضمن المهرجان فعاليات كثيرة كورش عمل وفعاليات تاريخية ثقافية لتعريف الزوار والمجتمع بمختلف الأفكار الثقافية إضافة إلى الأهازيج والفلكلور البحري الذي يشتهر به أهل البحر، كما ضم ركناً خاصاً للأسر المنتجة وركناً للمتحف البحري الذي تعود آثاره ومقتنياته إلى بداية القرن الماضي إضافة إلى ركن أدوات الصيد الحديثة وركنين خاصين بالمحركات والقوارب الحديثة، كما شارك الباحث في التراث محمد رشود من خلال معرضه الشخصي بالعديد من السفن وأدوات الصيد القديمة، والذي كان تحت عنوان “مالحنا مالح زمان”، إضافة إلى ركن الدوائر الحكومية.

وعلى هامش المهرجان أقيمت مسابقة بعنوان «أفضل طبق مالح» بمشاركة المختصين في طهي وتحضير وجبة المالح من الأمهات وبمشاركة من الطالبات وبعض طهاة الفنادق، وهدفت المسابقة لتعليم جيل اليوم كيفية تحضير أطباق المالح بأنواعه المختلفة.

تعزيز مكانة الهوية

قال جمعة عبد الله رئيس اللجنة المنظمة.. نسعى من خلال المهرجان لتعزيز مكانة الهوية الإماراتية والقيم التي يمثلها تراث الدولة وتعليم الأبناء حرف الأجداد وضرورة التمسك بها ونقلها للأجيال القادمة.

وأضاف عبد الله إن المهرجان يعرّف الجمهور أن صناعة المالح في دبا الحصن تحت سيطرة البلدية منذ وصول الأسماك للميناء وحتى وصولها للمستهلك، ما يجعله مطمئناً على أن التجار يتبعون المعاير والشروط الصحية السليمة في الشق والتقطيع والتمليح، فكل هذه الخطوات تتم تحت إشراف قسم الصحة في البلدية.

وأشار عبد الله إلى أن التجار يشاركون بالمهرجان دون رسوم وذلك لتشجيع هذه المهنة، كما أنه نوع من الدعم المجتمعي الذي تقدمه الحكومة للقطاع الخاص والمجتمع، لافتاً إلى أنهم حددوا الأسعار للتجار المشاركين منعاً لاستغلال المستهلك، فبلغ سعر القباب السطل 130 درهماً، والكعند 230 درهماً، والخباط 180درهماً.

ترويج

وقال التاجر أحمد عبد الله بغداد.. إنني أشارك للمرة الثالثة على التوالي فقد ورثت هذه المهنة عن أجدادي، ونشكر البلدية على هذا المهرجان الذي يشكل ترويجاً لهذه الصناعة التقليدية المهمة، إضافة للترويج لمدينة دبا الحصن المشهورة بها.

وأشار إلى أنه شارك بنوعين من المالح هما الكنعد والقباب، مضيفاً أن المهرجان عرض أيضاً أنواعاً من السمك المجفف مثل السحناة والسحال.

نكهة مختلفة

من جانها، قالت أم ناجي المشاركة بركن المنتجات الأسرية.. إنني أشارك للمرة الثالثة على التوالي والحمد لله هناك إقبال كبير على منتجاتنا المنزلية.

وأشارت أم ناجي إلى أن المالح القديم الذي كان يصنعه الأجداد اندثر تقريباً ومالح هذه الأيام له نكهة مختلفة، فحالياً يضاف له البهارات وغيرها بينما في القديم كان يضاف له الملح فقط.

عودة

قال اسماعيل عبد الكريم المنصوري أحد الحضور.. إن المهرجان يقام سنوياً في موسم ملكة السمك (القباب)، ونجد الناس يأتون من كل أنحاء الدولة لحضوره وشراء المالح والأسماك المجففة على اختلاف أنواعها.

وأشار المنصوري أنه يأتي للمرة الثانية إلى المهرجان حيث جاء في اليوم الأول بصفة رسمية كممثل عن وزارة التربية والتعليم في الافتتاح، وعاد مع عائلته ثانية ليبتاع المالح ويري أطفاله الأجواء التي تعيدهم لزمن الأجداد.

في المنزل

قالت فريدة الريس إحدى الزائرات.. إنني جئت من دبي لحضور المهرجان، وقد أعجبني كثيراً فهو يعيدنا إلى زمن الأجداد، مشيرة إلى أنها ابتاعت مع عائلتها كميات من المالح، كما أنها تصنعه في المنزل أيضاً.

تغطية: رحاب عمورة

نشرت سابقا في مجلة المضمار الإماراتية عام 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *