في كل خطوة تخطوها تعيش التراث بكل تفاصيله.. أينما تلتفت تغرف منه أنهاراً لن تنضب طالما هؤلاء النسوة والرجال يسعون بكل جهدهم للمحافظة عليه.. فهنا ترى النسوة يحيكون التلي والسدو.. وهناك الرجال يعرضون بضاعتهم التراثية.. كل ذلك تراه في مهرجان الحرف والصناعات التقليدية في سوق القطارة بمدينة العين.

تعزيز الجهود

على مدى عشرة أيام ممتدة من 29 أكتوبر إلى 7 نوفمبر، نظمت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة للسنة الثانية على التوالي “مهرجان الحرف والصناعات التقليدية” في سوق القطارة التراثي بمدينة العين، تحت رعاية سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية، ليكون تحفة تراثية تسلط الضوء على أهمية الحرف والصناعات التقليدية في التراث الإماراتي وتعزز الجهود التي يقوم بها ممارسو هذه الحرف من أجل صونها وإحيائها وتعليمها للأجيال القادمة باعتبارها مكوناً أساساً للهوية الوطنية.

العمل الحرفي تحفة

وحول ذلك كله، قال سعيد الكتبي مدير مهرجان الحرف والصناعات التقليدية.. إنها الدورة الثانية للمهرجان، وتولدت الفكرة من خلال إنشاء سوق الجمعة حيث أحببنا أن نقيم مهرجاناً مصاحباً له يهتم بالحرف التقليدية يهدف للمحافظة على هذه الحرف وتوثيقها للأجيال الحالية والمستقبلية، إضافة لدعم الأسر المنتجة التي تهتم بهذه الحرف مادياً ومعنوياً، وتشجيعهم على الاستمرار بها وتطويرها بما يتناسب والعصر الحديث، ونحاول أن نجد لهم منصة للتسويق والترويج.

وأضاف الكتبي.. إن عدد الزوار هذا العام ملفت بشكل كبير، كما ازدادت المبيعات للمنتوجات المعروضة على اختلافها، فالحرفي المجتهد والمبدع الذي يحاول دائماً تطوير عمله وسلعته فلابد أن يشهد تسويقاً جيداً لها، وهذا ما نلاحظه لدى الكثير من المشاركين في المهرجان، فالعمل الحرفي تحفة بحد ذاتها لاسيما الأجانب الذين يتوافدون لاقتناء التحف والسلع التقليدية  للذكرى.

وأشار الكتبي إلى أن تطوير الحرف التقليدية يتولد من حاجة الناس والسوق، ففي القديم كانت المنتجات حجمها كبير بما يتناسب ومتطلبات ذلك الزمن، أما اليوم فقد تطورت وحاول الحرفيون التماشي مع العصر فباتت المنتوجات صغيرة، مثل السدو الذي كان يصنعونه كبساط للأرضية أو لحاف في الشتاء، فباتوا اليوم يصنعونه كحقائب نسائية أو أغطية للهواتف النقالة أو الآيباد وغيرها، كما أقمنا دورات تدريبية للحرفين حيث استقطبنا لهم اختصاصيين عالميين لتدريبهم على صقل حرفتهم بما يتماشى والزمن الحالي.

فعاليات

ولفت الكتبي إلى أن لديهم فعاليات ثقافية وتراثية مصاحبة للسوق، من ضمنها طريقة إعداد القهوة على الطريقة العربية، وهي للرجال حيث قسموا على 3 فئات: فئة تحت العشرين وهي الفئة المستهدفة أساساً، حيث نحاول أن نعرّفهم ونحفزهم للتعرف على تراثهم، وفئة من 20 -50 وهم جيل الشباب، وفئة فوق الـ50 وهم أصحاب الخبرة الذين سيقدمونها لجيل الشباب.

وأضاف.. إن هناك مسابقة أخرى للأكلات الشعبية وهي خاصة بالعنصر النسائي حيث تتألف من 9 أطباق شعبية إماراتية يقدمن كل يوم طبقاً منها، كما هناك مسابقة اليولة للصغار، ومسابقة ثقافية عبارة عن أسئلة حول التراث والثقافة الإماراتية للجمهور، الهدف منها زيادة الوعي بأهمية التراث، وهناك ورش عمل خاصة بالأطفال للتلوين وصناعة الفخار، إضافة لركن الصقارة، والسوق الشعبي.

لمسة تراثية

ترى لديها التلي بألوان العلم يغطي كل المعروضات فهي تحتفل بيوم العلم والعيد الوطني بطريقتها البسيطة والمعبرة، فأخبرتنا فاطمة سالم الدرمكي أن هذه مشاركتها الثانية في سوق القطارة، فهي تعمل بالتلّي، حيث تضعه على المداخن والفوانيس والملابس وغيرها بما يتناسب والذوق الحديث، قائلة إنها تخلط القديم بالحديث، وتضفي اللمسة التراثية على الأشياء الحديثة، مؤكدة أنه لابد من المحافظة على تراثنا الإماراتي.

أما مزنة عقيل المزروعي فقالت.. إنني مشتركة مع الأخت نصرة سهيل العامري حيث نبيع الدخون والعطورات والبهارات، والحمد لله البيع جيد خلال المهرجان، فنحن نشتري المواد الأولية ثم نصنع الدخون ونركب العطورات لتكون جاهزة للبيع.

الجيل الصاعد مشارك

هي فتاة في العشرينات من عمرها يلفتك اهتمامها بالتراث فتسألها عن ذلك لتقول لك خديجة سيف الظاهري.. إنها تساعد أمها بهذا العمل وهي من علمتها القيام بذلك، فهن يعملن بشك المراري والاكسسوارات المطلية بالذهب، إضافة لشغل التلي، وهذه السنة الثانية على التوالي لهن في هذا المهرجان.

أما ليلى عبد الله عبد الملك فقالت.. كل ما أعرضه هنا من صنع يدي كما أنني علمت بناتي لمساعدتي، وهي من تراثنا وبشكل أساسي صنع التلي والسلال، كما نصنع العبايات والجلابيات سواء للصغار أو الكبار، ونسوق بضاعتنا في المهرجانات وعبر الانستغرام حيث نعرض صورها مع أرقام للتواصل، وتشير بسعادة لقد صنعنا بعض الفوانيس التي زيناها بالتلي والتي يشتريها غالباً طلاب المدارس في المهرجان ليعودوا فرحين إلى منازلهم بهدية من التراث.

إرث الأجيال

امرأة كبيرة في السن، والجميع أجمع أنها عاصرت التراث بكل تفاصيله، تسرد لك ما كانوا يفعلونه بطريقتها الشعبية الممتعة، إنها مباركة ثعيلب صقر العامري التي قالت.. إنني أعرض في المهرجان عملي في السرود والبطنة والشبق والحقائب، والحمد لله كله مطلوب، حيث أعمل بكل جهدي للحفاظ على وصية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي أوصانا بالمحافظة على التراث، وعلمت بناتي وبنات أخوتي هذا العمل التراثي كله، فلابد لهم أن يرثوا عنا هذا التراث العظيم ليحافظوا عليه للأجيال القادمة.

تغطية: رحاب عمورة

نشر سابقا في مجلة المضمار عام 2015

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *