كل شيء في تلك الحياة البسيطة التي عاشتها ألهمها الفن.. وسائد أمها في المضافة وطريقة ترتيبها… اختيار أخواتها لألوان خيطان تطريز المفارش.. بائع الخضار والخباز في السوق القديم.. تلك النقوش والزخارف على النوافذ والأبواب في بيت العائلة.. كل ذلك جعل منها اسماً لامعاً في عالم الفن التشكيلي، إنها الدكتورة نجاة مكي.

مخزون كبير

أخذتنا الدكتورة نجاة مكي إلى ذلك الزمن الجميل بحديثها فقالت.. ترعرعت في بيت جدي بجانب خور دبي، وكانت الحياة في تلك الفترة جميلة جداً، وليس أروع أن تقضي طفولتك مع أبناء وبنات الحي حيث كنا نلعب سوياً ونذهب إلى سوق دبي القديمة المجاور لحينا، ذلك السوق الذي كان يضم كل احتياجات الحياة من الخباز إلى بائع الخضار وصولاً إلى محلات المشغولات الذهبية والفضية المعروضة في واجهات مزخرفة، مبينة أن كل ذلك شكّل لديها مخزوناً كبيراً في الذاكرة.

ذائقة بصرية

تابعت مكي ذكرياتها بالقول.. إن خور دبي بما فيه من جمالية وحركة الناس في الطرقات والبحر بأمواجه، وتلك العمارة التقليدية للأبواب والنوافذ والأسقف كلها أشياء لفتت نظري منذ نعومة أظفاري وغذت لدي روح الفنان فنمت عندي الذائقة البصرية.

رأت مكي أن كل فرد من أفراد عائلتها فنان بطريقته، فوالدتها فنانة في ترتيب المنزل والألوان المتناسقة التي تختارها لتزين بها الأثاث، وأخواتها فنانات بتطريز المفارش والملابس، مؤكدة أنها أمور صغيرة لكنها أثرت في نظرتها للحياة بأن الفن بحد ذاته.

(شخبطات)

أخبرتنا مكي أن محاولات الرسم بدأت لديها منذ كانت في أعوامها الأولى رغم أنها لا تذكر، فقد أخبرتها والدتها أنها كانت (تشخبط) على أي شيء أمامها وكأنها ترسم لوحة فنية، وفي سن السابعة باتت تعتبر كل جدار في المنزل هو لوحتها فترسم عليه مستخدمة فحم الموقد الذي كان متوفراً في كل بيت آنذاك.

وتابعت مكي.. بعد دخولي للمدرسة، بات الأمر أكثر تنظيماً بالنسبة لي سواء للأفكار التي أرسمها أو طريقة الرسم من خلال توجيهات مدرّسة التربية الفنية التي لاحظت موهبتي وشجعتني كثيراً سواء من خلال الثناء على أعمالي أمام زملائي أو عرض لوحاتي على السبورة، فكان ذلك دافعاً كبيراً لي أن أستمر وألتحق بأكاديمية للفنون لأتخصص بها.

إصرار

وعن موقف أهلها من دراسة الفن والتخصص به قالت.. في البداية عارض أهلي الفكرة وطلبوا مني اختيار مجال آخر مع الإبقاء على الرسم مجرد هواية أمارسها، لأنهم لم يروا أي مستقبل للفن، ولكن إصراري على الموضوع جعلهم يوافقون في النهاية، وما ساعدني أكثر هو فتح باب البعثات الخارجية.

كما حدثتنا عن فترة سفرها للدراسة فقالت إن الأمور كانت صعبة في البداية لا سيما أنها انتقلت من مجتمع محافظ جداً إلى بيئة مختلفة خاصة أن هذا الانتقال الكبير حدث وهي في سن صغيرة، ولكن شيئاً فشيئاً تأقلمت مع هذا الوضع وتكونت لديها شخصيتها المستقلة.

بدايات

استعادت مكي معنا بدايات عملها الفني فقالت.. كنا نشكل أنا وزملائي حلقة واحدة ونلتقي خلال الإجازات الجامعية وبعد التخرج في الشارقة، حيث أُشهرت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، فقد كان صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة يشجع الفن والفنانين كثيراً، وسعدنا جداً بهذه الخطوة التي منحتنا مكاناً يحتضننا ويحتضن أفكارنا ومعارضنا، وبعد فترة كانت مفاجأة جميلة من خلال إقامة بينالي الشارقة الذي أعطى مساحة واسعة لطموحنا وأفكارنا وثبت أقدامنا على الساحة التشكيلية في الإمارات كفنانين تشكيليين يطرحون أعمالهم ورؤاهم المختلفة.

ولفتت مكي إلى أن الجميل بالموضوع هو ظهور الأنماط المختلفة من الفنون وتعدد المدارس الفنية بين الفنانيين، معقبة.. رغم أن مجموعتنا صغيرة لكن أفرادها ينتمون لمدارس فنية عديدة، وهذا شجع التنافس فيما بيننا.

ملهمي

وأكدت مكي أن الطبيعة والإنسان هما الملهمان الأساسيان لها، فلون البحر والشجر وتغيره بين ساعات النهار هو ما يعطيها أفكار التدرج اللوني، ولظل الإنسان حكاية أخرى فقد كان يلفت انتباهها كثيراً خاصة أنها ولدت في أحياء شعبية وكانت الطرقات ضيقة، فكانت تلاحظ ظلها يتبعها دائماً عكس الوقت الحالي الذي يستخدم فيه الناس السيارات فلا يلاحظون هذه الظلال خلال سيرهم.

خطوط حرة

لا تحب مكي أن تحصر نفسها في فكرة ومخطط معين للوحاتها، فتقول.. عندما أبدأ برسم لوحة لا أضع أي مخطط، وحتى لو كنت أجهز لمعرض بفكرة معينة فدائماً ما تتغير الأفكار خلال الرسم، فأنا لا أحب أن أحصر نفسي وأقيدها بل أجعل خطوطي حرة، واللوحة في النهاية هي التي تعبر عن نفسها وأفكارها.

رسم المذكرات

بعيداً عن الفن تعيش مكي أيضاً للفن، فتقول إنها تبدأ يومها برسم مذكراتها، إضافة لترتيب أعمالها من أجل معارض قادمة، أو زيارة معارض فنية أو ندوات ثقافية التي تستلهم منها أفكاراً للوحاتها من خلال الأفكار والقضايا التي تطرح خلالها، ولا تنسى أصدقاءها وتخصيص وقت للاجتماع بهم، إلى جانب الاهتمام بأمور البيت.

إنسانية

عن هواياتها قالت إنها كانت تقرأ كثيراً، ومع الوقت حل الكمبيوتر مكان الكتاب لديها تتابع من خلاله بعض الأنشطة الثقافية والقراءات الشعرية، كما أنها متطوعة في جمعية الإمارات لذوي متلازمة داون، تعلم الأطفال الرسم لتخرج مواهبهم، مؤكدة أن تواجدها مع الأطفال يسعدها كثيراً، فهم بحاجة للدعم ولديهم مواهب واحاسيس ومشاعر يحتاجون لإظهارها، كما أن هذا يمنحها شعوراً جميلاً لا يوصف.

مضمار الحياة

أعجبت نجاة مكي باسم مجلتنا (المضمار) الذي قالت عنه أنه ذو معنى واسع ويضم كل مضامير الحياة وشكرتنا لتخصيص مضمار للفن وإلقاء الضوء على الفنانيين، معتبرة أن كل مجال في الحياة هو فن بحد ذاته وإتقان المرء لمجاله فن، مؤكدة أن الفن في صميم حياتنا.

أجرت الحوار: رحاب عمورة

نشر سابقا في مجلة المضمار عام 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *