
علم من أعلام الحركة الفنية التشكيلية في دولة الإمارات.. وواحد من الأسماء الفنية المتميزة التي أوجدت لها مكانة مهمة في خارطة الفن التشكيلي العربي.. له دور كبير وفاعل في تطوير اللوحة المحلية انطلاقاً من البيئة المحلية والذاكرة الشعبية.. إنجازاته تبشر بحداثة تصويرية، لهذا استحق الفوز بجائزة الإمارات التقديرية في الفنون فرع (الفنون التشكيلية) لعام 2008، إنه الفنان عبد الرحيم سالم.
تواضع
يبادرنا سالم بالحديث فقال.. ولدت بإمارة دبي وتلقيت تعليمي العام بمدارسها، وأكملت دراستي الجامعية بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وأنا حالياً مسؤول عن إعداد كتب منهج التربية الفنية في وزارة التربية والتعليم.
جدتي ناقدي الأول
منذ نعومة أظفاري أحببت الفن والرسم، وشجعني أساتذتي كثيراً في المدرسة، وكان لهم دور كبير بوضع خطواتي على الطريق الصحيح، حيث حصلت على بعض الجوائز في المسابقات المدرسية، وهم من شجعني للذهاب إلى مصر للدراسة، وفي عائلتي أيضاً الجميع شجعني وأثنى على موهبتي وتركوا لي حرية اختيار مستقبلي، رغم أن العديد من الأسر في ذلك الوقت كانت تفضل أن يكون ابنها طبيباً أو مهندساً، وحتى بعد سفري ساعدني أهلي كثيراً، لذلك كنت أشعر بمسؤولية كبيرة بأن أنهي دراستي وأعود لأرد لهم ولو قليلاً مما قدموه لي.
أما الشخص الأبرز في العائلة فهو جدتي التي كنت أعتبرها الناقد الرسمي لي، فرغم عدم قدرتها على القراءة والكتابة لكن ذوقها جميلاً وإحساسها بالألوان رائع، وكانت تعطيني رأيها بما أرسم وتقدم لي اقتراحات لما تشعر أنه بحاجة لتعديل.

مهيرة
بعد عودتي من القاهرة، كان تركيزي أن أصنع شخصية متميزة كتميمة لعملي، وفي ذلك الوقت بت أقرأ في كتب السحر التي استهوتني بسبب بعض أمور مررت بها، بينما مارست خلالها الرسم الأكاديمي البحت، ولكن قراءتي لكتب السحر ومحاولة تطبيق بعضه لاكتشاف حقيقته أخاف أمي وجدتي كثيراً، وأخبراني بقصة فتاة جميلة تدعى مهيرة كانت تعيش وتعمل في الشارقة عند إحدى العائلات كخادمة، ولشدة جمالها كان البعض يراودها عن نفسها لكنها تأبى، وفي إحدى المرات صنع لها رجل رفضته سحراً فجعلها مجنونة، وهنا تعاطفت مع هذه الشخصية كثيراً فكيف يمكن لإنسان أن يؤذي آخر بهذه الطريقة البشعة ويحرمه من متعة الحياة، وتحول تعاطفي لمهيرة إلى عشق وباتت هاجسي، وبدأت أرسم لها لوحات، وأقمت أول معرض لها، في البداية كنت أعطي مهيرة تكويناً مختلفاً ثم في مرحلة ثانية صرت أعطيها ملامح عامة لأحتفظ بمهيرة الخاصة بي وأعطي للمشاهد أن يتخيل الملامح التي يريدها ويصبح لكل شخص مهيرة الخاصة به، ثم حولتها إلى رمز وتميمة لي يكون موجوداً بأي لوحة أرسمها بما يتوافق مع مضمون اللوحة.
المرأة كل المجتمع
أركز في أكثر لوحتي وأعمالي على شخصية المرأة بسبب إحساسي بأهميتها من الناحية العاطفية، فالمرأة برأيي هي كل المجتمع وليس نصفه كما يقولون فهي من تبني المجتمع بعقليتها وحبها وتفانيها، وهي تمثل الحياة رغم إنكار ذلك من مجتمعنا الذكوري للأسف، وبالنسبة لي عالمي كله مكوّن من نساء هنّ أمي وجدتي وخالاتي والآن بناتي وزوجتي، لذلك تعاطفي معهن أكثر، فالمرأة كما تعطي لابد أن تمنحها العاطفة من حب وحنان، فهذا يبني شخصيتها وإحساسها بالمسؤولية.
نضوج
أي شيء في هذا العالم يمكن أن يلهمني لرسم لوحة وليس فقط المواقف بل أي شكل أراه أو كلام أسمعه، ومن طبيعتي ألا ألجأ للاسكتشات بل أتوجه للوحة مباشرة، فإنني أشعر أن الرسم الأول هو الأصدق في التعبير عما أريد أن أقوله في لوحتي، ولكن بنفس الوقت لا يكون رد فعلي سريعاً وارتجالياً بل أعمل على التأني للإلمام بكل جوانب الموضوع الذي أريد طرحه في اللوحة ولكي تنضج الفكرة تماماً قبل نقلها على الورق.
أولادي
كانت أمنيتي الحصول على الماجستير والدكتوراه لكن الظروف لم تسعفني حيث تزوجت وأنجبت 5 بنات وولد، ولم أحب أن أفقد العلاقة بيني وبينهم بالسفر، وإنني أحب بناتي جداً فهن حياتي كلها مع زوجتي وباقي أسرتي وسعادتي الحقيقية معهم، كما لدي بنتين متزوجتين ولدي أحفاد أيضاً، وحاولت قدر استطاعتي أن أوفر لهم كل احتياجاتهم وأعطيتهم فرص متساوية بالدراسة والمعيشة.
كما أخذت ابنتي الأولى عني ميولاً فنية لكنها ليست نشيطة كثيراً في هذا المجال، حيث درست ديكور بكلية التقنية، ولكن ابنتي الصغيرة في المرحلة الثانوية أشعر أنها جيدة جداً، وبكل الأحوال أنا لا أفرض عليهم شيئاً فهذه رغبتهم بالنهاية، فأنت يمكن أن تعلّم مبادئ الرسم لكن الموهبة والإبداع يخلقان من داخل الإنسان نفسه، وأتمنى لأولادي أن يحققوا كل ما يرغبون به في حياتهم .
لوحة للشهيد
أخطط حالياً للوحة حول شهداء الإمارات فهو موضوع أثّر بي كثيراً، ولكنني لا أريد أن أرسمه بشكل تقليدي، ولذلك أتأنى كثيراً وأريدها أن تكون مرتبطة بتفكيري وكيفية نظرتي للشهيد حيث أظهر عظمته وافتخاري به وبما قدمه للوطن، وأبدي إحساس المجتمع بالسعادة والفخر لما قدمه الشهيد.
بالنسبة لطموحاتي وأمنياتي فأغلب ما تمنيته نلته والحمد لله، لكن أمنيتي الآن هي انتشار أعمالي على مستوى العالم، لأخرج من النطاق المحلي والعربي، رغم أنه لدي تجارب عالمية في الدنمارك وفرنسا والصين لكنني أريدها تجربة أكبر وأوسع انتشاراً.
نكمّل بعضنا
وأود أن أقول للذي يتوجه للفن ألا يفكر أنه بمجرد لوحة أو معرض قد وصل لغايته، فالمسألة مرتبطة بفكر وتجربة توصلك لذلك، فليعطي نفسه فترة من الزمن في الرسم والتجربة ليكتشف نفسه أين هو؟ ها أنا أمارس الفن منذ نحو 50 عاماً ولازلت أشعر أنني أجرب الفن، فالفن هو تجربة حياة بكاملها وليس مجرد روتين نمارسه، ولابد أن نكون جزءاً من كل ونكّمل بعضنا بعضاً لكي ننجح كلنا معاً.
أجرت الحوار: رحاب عمورة
نشر سابقا في مجلة المضمار عام 2015