
عندما تقرأ اسمها من بعيد يسرح خيالك بالعالم الافتراضي للانترنت الذي يسمح لك بالاتصال مع كافة أنحاء العالم وأنت جالس في مكانك دون الحاجة لركوب الطائرات وزيارة الدول والبلدان للتعرف عليها، لكن هنا لا تتصل بها افتراضيا فحسب بل تراها بأم العين وتلمسها بيدك.
“القرية العالمية” عنوان يدل على رسالة جديرة بالقراءة، مساحة لا تتعدى قرية صغيرة لكنك تعيش خلالها أجواء وثقافات وتراث الكثير من الدول، من الهند والصين شرقا إلى القارة الأميركية غربا، 65 دولة جاءت إلى دبي لتجتمع أروع الأوجه الترفيهية والثقافية والحضارية والتسويقية للعالم في مكان واحد.
وهي ليست حديثة الولادة بل عمرها يتجاوز الـ 17 عاما، حيث انطلقت في العام 1997 بموقع صغير و18 جناحا وزوار لا يتعدون النصف مليون زائر لتتسع وتكبر يوما بعد يوم وعاما بعد عام حتى باتت تضم 37 جناحا تستضيف بها معظم الدول من مختلف أنحاء الكرة الأرضية وزوار تجاوزوا الخمسة ملايين.
تدخل من أحد أبوابها لتجد أمامك بحيرة تتوسط الأجنحة المترامية على أطرافها، وترى العبرات تشق طريقها محدّثة العالم بأسره عن حكايات الأجداد وأمجادهم، تحتار أتذهب يمينا إلى الهند والصين أم يسارا إلى لبنان وفلسطين، 30 جناحا بثلاثين طقس عالمي مختلف، تشعر وكأن مارد الفانوس السحري حقق لك أمنية فجأة بجولة حول العالم.
في كل جناح تستقبلك الدولة صاحبة المكان بطرازها المعماري الممثل لها لتعلم من بعيد أنها هنا، فتدخل بطن الجناح وكأنك انتقلت إلى البلاد عينها لترى التقاليد الشعبية حاضرة من لباس وأطعمة وحتى رقصات شعبية بفرقها التراثية، تعبر لك عن حضارة عريقة موغلة في التاريخ، فحضارات العالم كثيرة ومن الروعة أن تجد هذه البانوراما المتنوعة كلها شاخصة أمامك بلحمها ودمها كما يقولون.
مطاعم ومحلات تجارية عالمية
ولتزداد روعة المكان وفرادته لا يقتصر الطعام على ما تقدمه الأجنحة من المطبخ الإماراتي والمصري والعثماني والآسيوي والأوروبي إلى غيرها من المذاقات العالمية، بل هناك نحو 27 مطعماً متميزا يتوزع في أنحاء القرية، ينقسمون بين مجموعة من أشهر المطاعم العالمية ومجموعة أخرى ممثلة لدول وبلدان مثل الهند وباكستان وإيران ومصر والإمارات والعديد من الدول الأخرى، لتتناول طعام العشاء بهذا الجو الخيالي.
أما التسوق فهو متعة لا تضاهيها متعة أخرى ولا يقتصر على الأجنحة بل هناك أكثر من 200 محل تجاري آخر، كل محل يتميز عن غيره بتصاميمه البديعة وما يعرضه من جديد وغريب قلّ ما تجده خارج أسوار القرية، وهو يحفزك على الخوض في تجربة فريدة ورحلة من الاستكشاف والمعرفة في تراث وتقاليد يتم استيرادها من دول بعيدة كأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وافريقيا وغيرها من القارات.
عروض ثقافية وفنية من الحاضر والتراث
وللثقافة عنوان أيضا حيث يوجد مسرح كبير ومتطور لتقديم مجموعة من العروض الثقافية والفنية والفعاليات والحفلات الغنائية حيث تستضيف القرية النجوم والفنانين كجزء من فعالياتها، إضافة لعروض كثيرة تحاكي الماضي وتثري الحاضر بألوان التراث والفنون الفلكلورية التي تميز الشعوب والقبائل، إن كان على ايقاع الطبول الأفريقية أو المزمار الذي يعود بعمره إلى آلاف السنين، بينما تبقى الموسيقى التصويرية لأشهر الكرنفالات في أمريكا اللاتينية مبدعة دون توقف على مسارح القرية العالمية لترسم للزائر صوراً حية تجسد غنى العادات والتقاليد التي ولدت منذ ولادة البشرية.
عروض اليولة احتفالا بالعيد الوطني
وليس أجمل من أن يشاركك ثقافتك وتقاليدك ضيوفك، فعندما تمر من قلعة ميدان في القرية تلمح الزي الإماراتي لمشاركي اليولة من مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث الذين يؤدون أجمل العروض والرقصات التراثية، لكنهم هذه المرة ليسوا من أبناء الإمارات ودول الخليج فحسب بل تجد أشخاصا من الجاليات العربية والأجنبية التي أحبت هذه العروض وشاركت بها لأول مرة. وأقامت القرية مجموعة من الفعاليات احتفالا بالعيد الوطني فتجد نموذجا صغيرا لبيت الإتحاد الذي يجسد روح الوحدة، وعند دخولك إليه ترى أمامك عرضا لإنجازات دولة الإمارات خلال مسيرة 42 عاماً من العطاء والإزدهار في ظل القيادة الرشيدة لحكام الدولة من خلال مجموعة كبيرة من الصور والتسجيلات المرئية.
وعزفت الفرق الإماراتية ألحاناً من صميم التراث وهي تجوب أنحاء القرية العالمية ومسارحها ليتمكن الزائرين من الاستمتاع في أجواء من الترفيه والعروض الثقافية والتراثية خلال عيد الاتحاد الثاني والأربعين.
وفي جناج خاص بالقوات المسلحة والجيش تستطيع التقاط بعض الصور التذكارية بالقرب من طائرات الهيليكوبتر والمراكب والسيارات المصفحة والدبابات التابعة للجيش والقوات المسلحة لدولة الإمارات.
جزيرة الخيال
وبعد كل تلك المتع من تسوق وتذوق للأطعمة والثقافة تبحث عن ترفيه خفيف ينقلك من عالم الواقع إلى الخيال لتجد “جزيرة الخيال” مدينة ترفيهية جديدة تعرض للمرة الأولى في الشرق الأوسط، وتضم نحو 50 لعبة للكبار والأطفال والعائلات.
وفي جزيرة الخيال تستطيع أن تعيش الخيال بكامل طقوسه فتركب سفينة القراصنة والنهر الصغير والأفعوانية وسيارات التصادم وقطار الأشباح ومنصة القفز وغيرها الكثير.
أما الألعاب الأكثر إثارة للكبار فتتضمن أرجوحة السماء، كابريولو، والتزر، إلى جانب ألعاب متنوعة تحمل أسماء ربما لم تسمع بها من قبل مثل “توب باز”، “سبيد واي” و “فريك آوت”.
ولمزيد من الاثارة والخيال تستضيف القرية أحد أكثر العروض حماسة “فاندر سكاي ويل” من المملكة المتحدة، ولأول مرة في العالم، يستعرض أربعة لاعبين محترفين مهاراتهم الأكروباتية خارج الدولاب الدوار ليقدموا أجمل العروض الشيّقة وأداء رفيع المستوى يعكس درجة عالية من اللياقة البدنية والخفة في الحركة.
خدمات ومرافق
وعلى الرغم من أنها قرية كما يسمونها إلا انها مزودة بأحدث المرافق والخدمات تلبية لحاجة الزوار كاللافتات المرورية المماثلة للافتات هيئة الطرق والمواصلات، إضافة إلى عربات للأطفال
وأخرى للتسوق مع كراسي متحركة لكبار السن وذوي الإحتياجات الخاصة.
ولكي لا تضطر لقطع رحلتك حول العالم والخروج منها فقد وفرت القرية مراكز للصرافة وتحويل الأموال وأجهزة الصرافة الآلية، وغرفة الأمهات ومساجد للصلاة، إضافة لمواقف سيارات تتسع لـ 17000 سيارة.
وبعد هذه الجولة تعود لتستريح على حافة البحيرة فإذا بالموسيقى تصدح وتبدأ المياه بالتراقص على نغماتها متلونة في كل مرة بلون مختلف، وفي السماء تنطلق الألعاب النارية فرحا وبهجة بهذا العرس العالمي العظيم.
ساعات طوال أتخمت فيها بالتراث والثقافة والترفيه من شتى أصقاع الأرض، تسير باتجاه البوابة للخروج وأنت تنظر خلفك إلى حلم تحقق بزيارة عالمية تذكرك بما كنت تحلم به في الطفولة عندما كنت تحضر القصة العالمية “حول العالم في ثمانين يوم” لكنها هنا لم تتعد الثماني ساعات.
تغطية: رحاب عمورة
نشرت سابقا في مجلة المضمار عام 2013